لأنّك الله (الجزء الثاني)

مِعراج النفوس المُطمئنّة

 

اسم الله: الرحمن

أحْمِدُ اللهَ كثيرا أن كان رحمانًا رحيما، فكيف ستكون الحياة لو لم يكن ربنا رحيما بنا؟

إنّ رحمته لتظهر في كل نَفَسٍ نتنفسه، وفي كل صورةٍ نبصرها، وفي كل همسة نسمعها.

 بل أحْمِدُ  الله كثيرًا أن جعل من حق هذا الاسم أن يظهر ظهورا مكثفا في حياة المسلم!

 فقد شُرع لنا أن نسمي باسم الله الرحمن الرحيم في شؤوننا، استجلابا للرحمة والبركة والتوفيق.

وفي بداية كل ركعة من صلاةٍ، وقبل كل سورة قرآنية، يأتي اسم الرحمن واسم الرحيم ليكون خير افتتاح لخير عمل.

وتختص سورةٌ ذات نَسْجٍ فريدٍ ونَظْمٍ متميزٍ باسم الرحمن.

فمع الرحمن والرحيم نُحَلِّق بأرواحنا، ونَعْرُجُ إلى سماوات الرحمة.

 

الشعور الفيّاض

ومن رحمته بخلقه أنه يُنزل في قلوب الوالدين من الرحمة تجاه أبنائهم، ما لا يمكن أن يقوم به عيشهم لو لم تكن تلك الرحمة، وتلك المشاعر التي لا يستطيع مخلوق أن يتحكم بها.

كيف استطاعت فكرة الإلحاد تجاوز هذه المشاعر التي لا يمكن لملحدٍ أن ينكر وجودها في أعماق أعماقه؟

فقط اسأل الملحد عن سر تحول القطة إلى وحش مفترس لحظة اقترابه من صغيرها؟ وكيف يمكن للداروينية تفسير هذا الشعور؟ وإذا كان غريزة، فمن الذي غرزها؟.....

إنها الرحمة التي أنزلها الله من رحماته المئة لعباده، حتى يتراحموا فيما بينهم، فلا ماديةٍ تستطيع أن تحدد مكان هذه الرحمة، ولا مختبرٍ يمكنه أن يقيس حجم هذه الرحمة، ولا ميكروسكوب يقدر على رؤية جزيئات هذا الشعور الفياض.

 

عذابٌ من الرحمن

كنت أتساءل وأبحث عن حكمةِ إتيان اسم الله الرحمن في موطن العذاب، في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن فتكونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45]

وأسأل نفسي: لماذا لم يقل: عذابٌ من الجبار مثلا؟ لأني كنت أظن أنّ العذاب فِعْلٌ لا ينسجم

في التعبير البشري مع الرحمة.

ثم ظهر لي أنه سبحانه وتعالى، رحيمٌ رحمن حتى في عذابه لأعدائه!

فهو يَمَسُّ أعداءه بالعذاب مسًا في بداية أمرهم، حتى يثوبوا عن عنادهم ويعودوا، فكان هذا العذاب الذي نهايته انزجارهم، رحمة منه.

ثم هو يعذب الظالم فيكون في ذلك زجرٌ لغيره عن السير في طريق الظلم، فيكون هذا الزجر والتحذير من رحمتهِ سبحانه ببقية عباده.

ثم إن عذاب الخلق إن عذبوا بعضهم هو محض ظلم، فجيء باسم الرحمن في هذا السياق، حتى يلفت نظر المؤمن أن عذاب الله ليس ظلما لعباده، فهو سبحانه منزهٌ عن الظلم، بل هو عدلٌ، ويحاسبهم بما يستحقون.

كل هذا من رحمته سبحانه، فنَاسَبَ الإتيان بالرحمن في هذه الآية وغيرها مما يشابهها، ولله حِكَمٌ أخرى لا نعلمها، الله يعلمها.

 

انظر

ومن غرائب الأوامر الإلهية، أَمْرُهُ سبحانه لعباده أن ينظروا إلى آثار رحمة الله!

إن لرحمةِ الله آثارا تظهر في أمور كثيرة، وتتجلى بشكل واضح، في اخضرار الأرض بعد موتها، والرب يقول لك: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: 50].

فرحمة الله هي وراء جميع التفاصيل الدافئة التي تراها في يومك ولا تلتفت إليها في الغالب، وإن حدث ونَظَرْتَ إلى آثار الرحمة، فإنّ ذلك نفسه من آثار الرحمة.

 فلولا رحمته بك لِمَا نظرت، ولِمَا سمعت، ولِمَا عقلت شيئا!

فأين هو المكان الذي يخلو من رحمة الله في هذا الكون الفسيح؟ أين هي الحركة التي لا تحركها رحمته سبحانه؟

إن صوت قارئ جميل الصوت، يرتل آيات القرآن من أعظم الرحمات! كمحمد رِفْعَتْ، وعبد الباسط، والمِنشاوي، والحُصَرِي.

كيف كانت ستبدو حياتك لولا هذه التلاوات العظيمة التي تمر بأسماعنا، فتملؤنا خشوعا وحبا!

فافتح نافذةً في عقلك، وامتثل من خلالها لأمره لك سبحانه بأن تنظر، فانظر إلى آثار رحمة الله من حولك، وزد حب ربك في قلبك حبا، وإجلالا، وتعظيما.


لأنك الله - الجزء الثاني
لأنك الله - الجزء الثاني
علي بن جابر الفيفي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00