التطهير العِرقيُّ في فلسطين

 

مُقدِّمة

يُقدِّم "إيلان پاپه" الذي وصفه "چون بِلغر" بأنّه «أشجع مؤرّخٍ إسرائيليّ، وأكثرهم تمسُّكًا بالمبادئ، وأحَدُّهم مَضاءً»، في هذا الكتاب حقيقة ما حدث في مبنى "البيت الأحمر"، الذي أصبح في أواخر عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وسبعةٍ وأربعين ميلاديًّا (١٩٤٧م) مقرَّ قيادة الميليشيا الصهيونيَّة الرئيسة "الهاغاناه"، ففي هذا المبنى، عصر يوم الأربعاء الموافق العاشر من مارس عام ألفٍ وتِسعِمئةٍ وثمانيةٍ وأربعين ميلاديًّا (١٩٤٨م)؛ اجتمع تسعةٌ من القادة الصهيونيِّين القُدامى وضابطان عسكريَّان شابَّان لوضع اللمسات الأخيرة على خطَّةٍ "دالِتْ" لتطهير فلسطين عِرقيًّا بطردٍ منهجيٍّ للفلسطينيِّين؛ عن طريق إثارة رعبٍ واسع النطاق، ومحاصرة وقصف قرًى ومراكز سُكانيَّة، وحرق المنازل والأملاك والبضائع، وهدم البيوت، وأخيرًا زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكَّان الفلسطينيِّين المطرودين من العودة إلى منازلهم؛ من خلال توضيح الرواية الحقيقية للتطهير العِرقيِّ للفلسطينيين، والتي حاول الإسرائيليُّون إخفاءها على مدار ثلاثين عامًا منذ زمن كتابة هذا الكتاب إلى حين دفنها مع ضحايا التطهير العِرقيّ.

 

الفصلُ الأوَّلُ: تطهيرٌ عِرقيٌّ مَزعوم

تعريفاتُ التطهير العِرقيّ

أصبح التطهير العِرقيّ حاليًا مفهومًا معرَّفًا جيِّدًا. صار الآن يُعرَّف بأنَّه جريمةٌ ضدّ الإنسانيَّة يعاقب عليها القانون الدوليّ. ويتمُّ تعريف التطهير العِرقيّ في موسوعة "هاتشينسون" (Hutchinson) بأنّه طردٌ بالقوَّة لإيجاد تجانسٍ عِرقيٍّ في أرضٍ يقطن فيها سكَّانٌ من أعراقٍ مختلفة بكلِّ الوسائل المُتاحة لمرتكِب الترحيل بما في ذلك وسائل غير عنيفةٍ، كما حدث للمسلمين في كرواتيا بطردهم بعد اتِّفاقيَّة دايتون في نوفمبر عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وخمسةٍ وتسعين ميلاديًّا (١٩٩٥م). بينما تستخدم الأمم المتَّحدة تعريفاتٍ مشابهة للتطهير العِرقيّ منذ عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثلاثةٍ وتسعين ميلاديًّا (١٩٩٣م)، وهو ربطها للتعريف بين رغبة دولة أو نظامٍ في فرض حكم اثنيّ على منطقة مختلِطة، وبين استخدام أعمال الطرد ووسائل عنفٍ أخرى، وهذا بالضبط ما انطوَت عليه الخطَّة الصهيونيَّة "دالِتْ" لتطهير فلسطين عِرقيًّا، باستخدام أساليب العنف من المجازِر التي رافقت الطرد الجماعيّ.

 

التعريفات الشعبيَّة للتطهير العِرقيّ:

تصف موسوعة ويكيبيديا، التي تعكس إدراكًا شعبيًّا لفكرةٍ أو مفهومٍ ما، التطهير العِرقيّ بأنّه طردٌ بالقوَّة لسكَّانٍ "غير مرغوبٍ فيهم" من إقليمٍ معيّنٍ على خلفيَّة تمييز دينيّ، أو عِرقيّ، أو سياسيّ، أو استراتيجيّ، أو لاعتبارات أيدولوچيّة، أو مزيجٍ من ذلك كلِّه؛ مثل حالات التطهير العِرقيّ التي حدثتْ في القرن العشرين بدايةً من طرد البلغار من تركيا عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثلاثةَ عشرَ ميلاديًّا (١٩١٣م)، وحتى إخراج المستوطنين اليهود من غزَّة عام ألفين وخمسةٍ ميلاديًّا (٢٠٠٥م). إلَّا أنَّ ويكيبيديا لا تُعِدُّ النكبة الفلسطينيَّة عام ألفٍ وتِسعِمئةٍ وثمانيةٍ وأربعين ميلاديًّا (١٩٤٨م) من حالات التطهير العِرقيّ كما هو الأمر في ما حدث من تطهير بألمانيا النازيَّة ويوغوسلافيا سابقًا، رَغم أنّ هذه الحالة شبيهة بترحيل اليهود عن قطاع غزَّة عام ألفين وخمسةٍ ميلاديًّا (٢٠٠٥م)، وهذا يأخذنا لوجود معايير أو سلطة غير صادقة لإدارة ويكيبيديا.

 

التطهيرُ العِرقيّ كجريمة:

يُصنَّف التطهير العِرقيّ في المعاهدات الدوليَّة جريمةً ضدّ الإنسانية، كما في المعاهدة التي قامت على أساسها المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة (International Criminal Court)، وسواء أكانت الجريمة "مزعومة" أم معترفًا بها تمامًا، فإنَّها خاضعة للمحاكمة بموجب القانون الدوليّ، مثل الأعمال التي ارتكبتْها الحكومة السودانيَّة في دارفور.

ويؤكّد هذا الكتاب بقناعةٍ راسخةٍ على أنّ التطهير العِرقيَّ في فلسطين جريمةٌ ضدّ الإنسانيَّة، ويجب استثناؤه من قائمة الجرائم "المزعومة" كما فعلتْ ويكيبيديا؛ لأنّ مرتكبي هذا التطهير مجموعةٌ محدّدة ممَّن وُصِفوا بأبطال حرب الاستقلال اليهوديَّة، ومنهم "دافيد بن غوريون"، ومجموعةٌ صغيرة من الأشخاص يشير لهم المؤلِّف باسم "المستشارين"، وهم عُصبة سرِّيَّة يُشار إليهم بعبارة "الهيئة الاستشاريَّة" (هَفَعَداه هَمِيَعيتْسِتْ) في أحد الوثائق النادرة، تألَّفت لغاية واحدة؛ وهي التآمر لطرد الفلسطينيِّين. ورَغم محو التاريخ الإسرائيليّ لأسماء هذه العصبة المكوَّنة من أحدَ عشرَ فردًا، ولكنّ المؤلِّف استطاع إعادة تعريفهم بأسمائهم: "يغثيل يادين" و"موشيه دايان" كقائدَين للعصبة، وبعض الشخصيَّات غير المعروفة خارج إسرائيل، مثل: "يغآل ألون" و"يتسحاق ساديه"، و"موشيه كالمان" الذي طرد منطقة صَفد، و"موشيه كرمل" الذي اقتلع سكَّان منطقة الجليل، و"يتسحاق رابين" الذي طرد سكَّان منطقتيّ اللدِّ والرملةِ، و"شمعون أفيدان" الذي طرد سكَّان الجنوب.

 

استحضارُ وقائعِ التطهيرِ العِرقيّ:

يُظهِر كتاب "طرد الفلسطينيِّين" لمؤلِّفه "نور الدين مصالحه" كم كانت جذور مفهوم الترحيل عميقةً جدًّا في الفِكر السياسيِّ الصهيونيّ، تسير في اتِّجاهَين: استيطان يهوديٌّ في أرض فلسطين، وإعادة توطين عرب أرض فلسطين في أراضٍ خارج البلد.

ويتوجّه جهد المؤلِّف  الرئيس في هذا الكتاب إلى تسليط الضوء على التخطيط المنهجيِّ لتحويل منطقة مختلطة عِرقيًّا إلى فضاءٍ اثني صرف، وفضح ميول اليهود، واستحضار الأساليب العنيفة التي استخدمتْها إسرائيل في الطرد والتدمير.

 


التطهير العرقي في فلسطين
التطهير العرقي في فلسطين
 إيلان پاپه
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00