عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الباب الأول: في معنى الصبر لغة، واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها

أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس، فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما

"قال الأصمعي: إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها". 

إن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو، وصارما لا ينبو، وجندا غالبا لا يهزم، وحصنا حصينا لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، ولقد أخبرنا الله - سبحانه وتعالى - أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمين، وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك عنه المؤمنون، كما أوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين، والصبر هو ثبات المؤمن، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف. ولما كان الإيمان نصفين: نصف منه صبر ونصف شكر على نعم الله؛ كان من الأفضل لنا ألا نهمل هذين الطريقين لكي نحقق سعادة الدنيا والآخرة؛ لذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إلى الصبر والشكر في حياة المؤمن لكي ينعم برضا الله في الدارين.

 

الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه

قد تقدم  بيان معنى الصبر لغة، وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها، وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال: «تجرع المرارة من غير تعبس»، وقال ذو النون: «هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة» ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى.

وقال أبو محمد الجريري: «الصبر ألا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما». قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور به، فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين، وإنما المقدور حبس النفس عن الجزع لاستواء الحالتين عند العبد ، وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر كما قال النبي في الدعاء المشهور: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي»، ولا يناقض هذا قوله: «وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر»، فإنه بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له، وقال أبو علي الدقاق: «حد الصبر أن لا يعترض على التقدير»،

فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. والشكوى نوعان؛ أحدهما: الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله»، والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله. وقيل: الصبر شجاعة النفس، والنفس فيها قوتان؛ قوة الإقدام وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره، ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر على مشقة الطاعة، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين.

"الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب". 

"فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره".

 

 الباب الثالث: في بيان أسباب الصبر بالإضافة إلى متعلقه

لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه، فإنه إن كان صبر عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يجمل منه سمي شرف نفس وشبع نفس، وإن كان عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا، وإن كان على قدر يكفي من الدنيا سمي قناعة، والاسم الجامع لذلك كله: الصبر. وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها.

 "والاسم الجامع لذلك كله: الصبر، وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر من أولها إلى آخرها


عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ابن قيم الجوزية
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00