مقدِّمة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، وبعد:
الإسلام بمعناه العامّ هو إسلام الوجه لله، أي التوجّه الكامل إلى الله والخضوع الكامل لأوامره، وهذا الإسلام هو الذي كان عليه آدم ونوح والنبيُّون من بعده، إلى محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فالاعتقاد واحد، وإن اختلفت الشرائع في الأحكام الفرعيّة.
أصول العقيدة الإسلاميّة
هناك ستّة أصول للعقيدة الإسلاميّة وهي: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب السماويّة، والإيمان بالرُّسُل، والإيمان باليوم الآخر، وأخيرًا الإيمان بالقضاء والقدر.
الدين والفطرة
كلّ مولود يولد على الفطرة، والفطرة بذاتها تتّجه إلى الله، عالمة بوجوده، ومؤمنة بأنّه إله واحد، وحينما يبدأ الطفل في طرح الكثير من الأسئلة الوجوديّة على والديه، نعرف حينها أنّ فطرته قد بدأت تستيقظ وتتعرّف على خالق السموات والأرض.
عوامل إيقاظ الحسّ على حقيقة وجود الله
هناك عدّة عوامل تؤثّر على حسّ الإنسان، وتجعله يتيقّن بوجود الله ووحدانيّته، وأوّلها هو الكون بضخامته الهائلة وأجرامه السماويّة التي لا تُعدّ ولا تُحصى، ويظهر ذلك في الدقّة الهائلة التي تعمل بها قوانين كوكب الأرض، وعظمة وإعجاز خلق الكائنات الحيّة كلّها.
والعامل الثاني هو ظاهرة الموت والحياة، والتي تعدُّ سرًّا مُعجزًا، لا يستطيع أحد من العلماء تفسيره. كما أنّ الرزق الجاري على الإنسان بجميع صوره، والأحداث التي تجري في الكون وتتغيّر في كلّ لحظة من فرحٍ وحزنٍ وفقرٍ وغنًى وغيرها، والغيب المجهول الذي لا يعلمهُ إلَّا الله، كلّها من العوامل التي تُساعد الإنسان على أن يستشعر حقيقة وجود الله.
أسباب تبلّد الحسّ عند الإنسان
تمرض الفطرة أحيانًا وتنتكس، فيتبلّد حسّ الإنسان وينسى آيات الإعجاز في الكون والحياة، ومن أسباب ذلك تكرار المشهد، فحينما يألف الإنسان المشهد أو المكان، لا يلتفت لآيات الكون بما فيه من معجزات، ويتبلّد الحسّ أيضًا لانشغال الإنسان بشهواته، فيُلهيه ذلك عن ذكر الآخرة، كما أنّ تبلّد الحسّ قد يأتي نتيجة لعدم الالتزام بأوامر الله، أو لوجود شعور بالكبر داخل النفس، يجعل الإنسان يستكبر عن عبادة الله، وأخيرًا يتبلّد الحسّ لافتتان الإنسان بنفسه وبما منحه الله من نعم، فينسى أنّ كلّ ذلك من عند الله. فكلّ ما سبق يجعل الإنسان ينحرف عن الفطرة السويّة التي خلقهُ الله عليها في أحسن تقويم.
طريقة القرآن في هداية النفس البشريّة
يستخدم القرآن وسائل شتّى لتوضيح العقيدة السليمة، وتصحيح الانحرافات التي يقع فيها الناس وأوّلها وسيلة الوجدان، وفيها يعمل القرآن على إثارة الوجدان لتدبّر آيات الله في الكون، فالقرآن بنهجه الجميل المُعجز يُزيل الغشاوة عن القلب ويُحرّك الوجدان، فكأنّ الإنسان حينها يشهد آيات الكون لأوّل مرّة، بما فيه من ظواهر طبيعيّة وكونيّة، فمثلًا حينما يقرأ الإنسان قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖوَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ) [النحل: الآية: ١٢]، سيُدرك أنّ الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، ليست ظواهر كونيّة معتادة فحسب، وإنّما هي كائنات مُسخّرة للإنسان بأمر الله تعالى. وكذلك الأمر في ظواهر الموت والحياة والرزق والأحداث الجارية وعلم الغيب، فلو تدبّرها الإنسان في القرآن حقّ تدبرّها لزالت غفلته في الحال، ولأدرك عظمة وحكمة الله عزّ وجلّ.
وأمَّا بالنسبة إلى الدليل العقليّ; فكما خاطب القرآن الإنسان بالوجدان، فقد خاطبه بالعقل أيضًا، والآيات التي تُخاطب العقل وتدعوه إلى التأمّل والتدبّر كثيرة في القرآن. يقول الله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون) [الذاريات: الآية ٢٠-٢١]، فهذه الآية على سبيل المثال، تجعلنا نتدبّر نفس الإنسان، التي عجزت كلّ أبحاث العلم حتَّى الآن عن تفسير الكثير من أسرارها، ومنها الكيفيّة التي يُفكّر بها العقل مثلًا، وكيفيّة ومكان تخزين المعلومات بداخله، وكيف يُورّث الإنسان صفاته لغيره، وغير ذلك. وإذا تأمّلنا في الآية الكريمة: (لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [سورة الأنبياء: الآية ٢٢]، لوجدنا أنّ الله يُريد منّا أن نتفكّر في أمر الفساد الذي لا بُدّ أن يحدث في السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غير الله، وهو ما يقودنا بالتبعيّة إلى إدراك أنّ الله واحدٌ أحد، وأن لا آلهة غيره.
تيقّظ الإيمان المركوز بالفطرة وقت الشدّة: من طبيعة الإنسان أنّه يُعاند في وقت الرخاء، ويزداد غفلة وبُعدًا عن الله كلّما زاد ذلك الرخاء، ولكنَّه يتغيّر في وقت الشدّة، فينكشف
أمام نفسه شاعرًا بالعجز، ويتيقّظ الإيمان المركوز في فطرته، وينسى الشركاء المزعومين الذين كان يعبدهم من دون الله أو مع الله، وحينها يتوجّه بقلبه إلى الله الحقّ ليكشف ما به من سوء.
وفي القرآن آيات كثيرة، تُصوّر حالة الإنسان حينما يُصيبه الضُرّ، فيلتجئ إلى الله ليكشف ما به من ضرّ، وحينما يستجيب له الله تعالى وتزول الشِدّة، يعود إلى ما كان عليه من غفلةٍ وضلال، يقول تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ) [ سورة يونس: الآية ١٢].
القرآن يتولّى الردّ على دعاوى المبطلين
يتتبّع القرآن دعاوى المُبطلين ويردُّ عليها واحدة واحدة، فقدّ ردّ القرآن منذ أربعة عشر قرنًا، على الوثنيّين الذين كانوا يُشركون بالله، ويعبدون الأصنام والجنّ والملائكة في الجزيرة العربيّة، ويزعمون أنَّها تشفع لهم عند الله، ففي قضيّة الشرك هذه، ردّ القرآن من ناحيتين: ناحية أنّ الله هو وحده الخالق والمدبّر لهذا الكون، والناحية الأخرى هي عجز هؤلاء الشركاء عن أن يملكوا لأنفسهم نفعًا أو ضرًّا.
كما ردّ القرآن على المنحرفين من أهل الكتاب في قضيّة ادّعاء الولد، وهم الذين يزعمون أنّ لله ولدًا مثل اليهود والنصارى، ومشركي العرب الذين يقولون إنَّ الملائكة بنات الله، فيقول الله تعالى (وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَاۤءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِینَ وَبَنَـٰتِۭ بِغَیۡرِ عِلۡمٍ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یَصِفُونَ) [سورة الأنعام: الآية ١٠٠]، ويردّ سبحانه وتعالى على قولهم هذا في الآية التي تليها: (أَنَّىٰ یَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ)، فهنا يُناقشهم الله عزّ وجلّ بمنطقهم، فكيف يكون له ولد وليست له زوجة؟ وتأتي نهاية الآية: (وَخَلَقَ كلَّ شَیۡءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیم) لتخبرهم بأنّ الله هو خالق كلّ شيء وهو المُحيط بكلّ شيء، فما حاجته إلى ولدٍ أو غيره؟
وقد ردّ القرآن أيضًا على الجاهليّة العربيّة، التي قامت بإنكار قدرة الله على بعث الموتى، وذلك في الكثير من الآيات التي تُظهر قدرة الخالق، الذي خَلَق من العدم في أوّل مرّة، وهو قادرٌ على أن يُعيد خلقه مرّة أخرى، كما تعدَّدت في القرآن أيضًا الآيات التي تتحدّث عن عمليّة إخراج الحيّ من الميّت.
تثبيت الإيمان
للقرآنِ دور عظيم في تثبيت الإيمان في النفس البشريّة، وذلك عن طريق التذكير، ففي آياته تعالى تذكيرٌ دائم بعظمة الله وقدرته التي لا يُعجزها شيء، وهو ما يُفترَض أن يؤثّر في القلب البشريّ، ليتحوّل بداخله ذلك التأثير إلى إيمانٍ حقيقيٍّ بالله، فينعكس على سلوك الإنسان في الواقع. كما في آيات الخلق والإبداع في السموات والأرض، وآيات نعم الله على العباد، وآيات تدبير الكون بغير شريك.. وغيرها كثير من الآيات. وفي آيات القرآن أيضًا تذكيرٌ دائم بأنّ الله مع الإنسان يُراقبه ويُحاسبه، كما في قوله تعالى: (وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ یَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى) [سورة طه: آية ٧]، وتذكيرٌ آخر بذكر الله في السرّاء والضرّاء.
أمّا قصص الأنبياء في القرآن، فهي تلفت نظرنا إلى عدّة أمور هامّة، وهي أنّ الرسل جميعهم جاءوا بكلمة "لا إله إلَّا الله"، وأنّهم قد لاقوا التكذيب من قومهم وتعرّض جميعهم للإيذاء، ولكنّهم لم يُفرّطوا في عقيدتهم، وأنّهم حينما تعرّضوا للأذى، لجئوا إلى الله وحده، وصبروا حتَّى يُنجيهم الله بأمره، وأنّ النصر في النهاية يكون دائمًا لرسله وللمؤمنين، وأنّ أهل الباطل لن يُفلتوا من عقاب الله في الدنيا ولا في الآخرة.
تحكيم شريعة الله
نحن نعرف أنّ مجرّد معرفة الحقّ المُنزّل من عند الله لا يكفي لتمام الإيمان، وأنّه لا بُدّ وأن تتحوّل هذه المعرفة إلى سلوك واقعيّ، وأبرز صورة لتطبيق هذه المعرفة هي تحكيم شريعة الله في الحياة عامّة، ولأنّ أوّل ما ينطق به المسلم هو الشهادة، فعلينا أن نعرف ما هو معناها، وما هو مقتضاها.
إنّ معنى كلمة لا إله إلَّا الله، هو أنّ قائلها يقرُّ بالعبودية لله وحده، والعبودية لله تكون بنطق اللسان، وإقرار القلب، وتصديق العمل، كلّ ذلك معًا، فالإيمان ليس زعمًا باللسان، وإنّما ما يُثبت صدق الإيمان حقًّا هو التحاكم إلى شريعة الله، يقول الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجًا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [سورة النساء: الآية ٦٥]، وهو ما يعني أنّ التسليم القلبيّ هو شرط للإيمان، ويعني أيضًا أنَّ من يرفض أن يتحاكم إلى شريعة الله، فليس بمؤمنٍ.
الإيمان بأسماء الله وصفاته
إنّ الإنسان لا يُمكنه أن يعبد الله، إلَّا إذا كان يعرف من يعبدهُ حقًّا وما هي صفاته، حتى تكون عبادته له عن علمٍ ومعرفة. فمثلًا حينما يعلم الإنسان أنّ الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين، وأنّه هو الذي يبسط الرزق لعباده، ألا يجعله ذلك يتطلع إلى الله ليدعوه بأن يبسط له في الرزق؟
والله سبحانه وتعالى يصف نفسه في كتابه الكريم، بالصفات التي يريد منّا أن نعرفها عنه ونصفه بها، فليس لنا أن نبتدع من عندنا صفات لله غير التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا هو مذهب السلف، فهم يؤمنون بصفات الله كما وردت، ولا يُؤوّلونها لمعانٍ أخرى كتأويلات الفرق المنحرفة.