دليل وجود الملائكة
إن الإنسان يكتسب علمه بالموجودات عن طريق حواسه، نعم، ولكن لا سبيل له إلى معرفة الغيب إلا عن طريق آخر، وهو السماع به، أو مشاهدة آثاره الدالة عليه، هكذا يؤمن الإنسان بالغيب. ومن هنا كان الإيمان بالملائكة أمرا معقولا، فقد دل على وجودهم الدليل الذي ثبتت به كل الموجودات الغيبية عند الإنسان والذي هو خبر الثقات وآثار الموجودات.
ودليل وجود الملائكة في إخبار رب العالمين، خالق الملائكة، وخالق الجن والناس أجمعين. قال تعالي: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا﴾ [الإسراء: 61]، فقد تضمن هذا الخبر وجود الملائكة ومخاطبة الله تعالى لهم، وهو دليل قاطع على وجودهم.
ويعد الإيمان بالملائكة وهو الركن الثاني من أركان الإيمان، أصلا للإيمان بوحي الله ورسله؛ لأن وحي الله تعالى يصل إلى النبي عن طريق ملك من الملائكة، وهو جبريل أمين الوحي، فإذا جحد شخص وجود الملائكة فقد جحد إنزال الكتب الإلهية، وجحد رسالة الرسل، ولذلك قدم القرآن الكريم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالكتب الإلهية وبالرسل، ومن أنكر وجود الملائكة على الصفة التي بينها القرآن فهو كافر.
فمن هم الملائكة؟
الملائكة لغة هي جمع ملأك، وهو مشتق من كلمة "الألوكة" التي هي الرسالة، والجمع ملائك وملائكة، وهم خلق خلقهم الله عز وجل من نور وجبلهم على الخير، وعصمهم من الشر، وفطرهم على عبادته وتسبيحه. والملائكة ليسوا إناثا كما وصفها بعض الجهلة من الناس، وهم ليسوا بنات الله أيضا كما زعمت بعض قبائل العرب.
تفاضل الملائكة
الملائكة يتفاضلون في القرب من الله تعالى، وعلو المنزلة، وأفضلهم "جبريل" عليه السلام لأنه إمام الملائكة ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت عليهم السلام، ثم الملائكة المقربون ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
أعمال الملائكة
الملائكة أعظم جنود الله سبحانه وتعالى، وقد سخرهم الله عز وجل في كثير من الأعمال؛ فمنهم الموكل بالوحي من الله تعالى إلى رسله عليهم الصلاة والسلام وهو الروح الأمين جبريل عليه السلام، وهو روح القدس كما سماه الله تعالى.
ومنهم الموكل بالقطر أي المطر، وهو موكل كذلك بأمر النبات، وهو ميكائيل عليه السلام، ومنهم الموكل بالصور أو البوق، وهو إسرافيل عليه السلام؛ ينفخ فيه ثلاث نفخات بأمر ربه عز وجل؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب الأرض والسماء، وهؤلاء الثلاثة الكرام «جبريل وميكائيل وإسرافيل» هم رؤساء الملائكة.
صفات الملائكة
هذه الصفات قد استوحيناها من خلال الأخبار الصادقة التي هي الدليل الشرعي من القرآن والسنة، ومن ضمنها الحياء، فالملائكة تستحيي استحياء يليق بحالها، وهي تتأذى من المكروه كما يتأذى منه الإنسان. ومن صفات الملائكة طاعتهم لله تعالى وخوفهم منه سبحانه، وأنهم لا يعصونه بحال من الأحوال. ومن صفاتهم الشكلية عظم خلقهم؛ فللملائكة أحجام كبيرة تفوق أحجام المخلوقات الأخرى التي اعتدنا رؤيتها، وهم متفاوتون في الحجم، فليسوا متساوين؛ إذ أن منهم من له جناحان، ومن له ثلاثة ومن له أربعة، حتى أن جبريل عليه السلام له ستمئة جناح، كما تستطيع الملائكة أن تتشكل بغير صورها الحقيقية فيما تشاء من الصور الحسنة، ويمكنها أن تتراءى لبعض الصفوة المختارة من عباد الله.
ومن صفات الملائكة أيضا حضورها الأعمال الصالحة، وتنزلها لها، وصلاتها على أصحابها، كما أنها تحب من الناس من يحب ربها من عباده المؤمنين، وتدعو لهم.
عصمة الملائكة
نحن نعلم أن الله عز وجل خلق الملائكة، وجبلهم على طاعته، وعصمهم من معصيته كما قال تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: 6]، ومع ذلك رأينا من يقول بعدم عصمة الملائكة لشبهات وقرت في أذهانهم؛ ومنها اعتراض الملائكة على خلق آدم عليه السلام، ومنها موقف إبليس من رفض السجود لآدم على اعتبار كون إبليس من الملائكة، ومنها قصة هاروت وماروت كما يظنها بنو إسرائيل، ولكن في الحقيقة كل ذلك كان خاطئا؛ فلم تعترض الملائكة على الله عز وجل لخلقه آدم؛ بل كان سؤالها عنه للفهم والاستفسار، أما إبليس فلم يكن من الملائكة كما هو شائع، بل كان من الجن مخلوقا من نار كما ذكر الله تعالى في سورة الكهف في الآية خمسين (٥٠)، فإبليس كان مع الملائكة حينما أمرهم الله بالسجود لآدم، ولكنه لم يكن منهم. أما قصة هاروت وماروت فهي من خرافات وأكاذيب بني إسرائيل، ومن يعتقد بأنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما فهو كافر بالله العظيم، لأن الملائكة كما قال سبحانه لا يمكن أن يفعلوا الكبائر ككبيرة السحر التي نسبت إلى هاروت وماروت.