• "فالملائكة تتشكل بغير صورها الحقيقية فيما تشاء من الصور الحسنة، وتتراءى لبعض الصفوة المختارة من عباد الله، وكثيرا ما ظهرت الملائكة في هيئة رجال على مستوى ملحوظ من جمال الصورة وإشراق الوجه، وحسن الهندام، إلا أن هذه الأجساد التي تتشكل فيها لا تخرجها عن طبيعتها الأصلية التي فطرها الله عليها؛ فعندما تتشكل مثلا بالأجسام الإنسانية لا تسري عليها طبيعة البشر؛ فلا تأكل ولا تشرب ، كما بين الله - عز وجل - ذلك في قصة الملائكة مع «خليله إبراهيم عليه السلام»، وكذلك مع «لوط عليه السلام» وما حدث أيضا في قصة مريم  وقد تمثل جبريل عليه السلام لها بشرا سويا".

 

  • ومن صفات الملائكة كذلك حبهم لمن يحب ربهم، ودعاؤهم للمؤمنين؛ فالملائكة تحب حبا يليق بحالها، وحسب ذواتهم؛ فقد دل الدليل الشرعي على أنهم يحبون، ففي الحديث الصحيح: «إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل : إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء : إن الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض».

ولم يكن جواب الملائكة على هذا الإخبار الإلهي بخلق آدم من قبيل الاعتراض مطلقا؛ وإنما كانت حكمة هذا الخلق الجديد خافية عليهم فأرادوا معرفتها؛ لماذا يخلق الله خلقا غيرهم؟ وهل بدر منهم تقصير أو قصور في مهمتهم؛ فلذلك أراد الله أن يخلق غيرهم؟ فمن ثم كان سؤالهم واستفسارهم. 

 

  • "لكن يبقى هنا استفسار: ما وجه الحكمة في استثناء إبليس من السجود مع أنه للملائكة؟ فنقول وبالله التوفيق : أولا : هذا الاستثناء منقطع كما يقول أهل اللغة؛ يقال: جاء القوم إلا حمارا، وأكلت التفاح إلا برتقالة، وهنا يقال: سجد الملائكة إلا إبليس. وكذلك يقال : صدر الأمر للملائكة بالسجود لآدم، وإبليس كان معهم - ولم يكن منهم، كما علمت، فبحكم معيته للملائكة، وهو فرد بين أمم الملائكة؛ كان عليه أن يسجد، ولكنه أبى؛ لأنه خانة أصله الناري وطبعه الفاسد؛ إذ قاس وقارن فضل وهلك، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

 

  • "وأول دليل على صحة نقد القرآن للتوراة المتداولة وأنها ليست كلها هي توراة موسى التي جعلها الله نورا وهدى؛ ما جاء في التوراة من وصف الله بما لا يليق بجلاله وكماله، ففي سفر التكوين [ 3 : 22 ]: «وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا بالخير والشر»، وفيه [ 6 : 6 ]: «فحزن الرب أنه عمل الإنسان وتأسف في قلبه». فهل يعقل أن هذا من كلام الله؟ وهل يصح أن ينسب إليه الحزن والأسف على شيء عمله؟".

 

  • "وإنما كان إبراهيم - عليه السلام - محبا للاستطلاع، شغوفا بأن يرى الشيء الذي يقع عنده موقع الغرابة، وقد علم أن الله سيحيي الموتى ويبعثهم ليوم لا ريب فيه، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فأحب أن يرى ميتا عاد حيا؛ ليترقى بذلك من علم اليقين إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدا فقال: «رب أرني كيف تحيي الموتى»؛ إنه يسأل عن الكيفية ولم يقل: رب هل أنت تحيي الموتى؟!".

 

  • "إن النفس في وقت الموت ينقطع تعلقها عن ظاهر البدن وباطنه، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع تعلقها به في ظاهره من بعض الوجوه، ولا تنقطع عن باطن البدن، فثبت أن الموت والنوم من جنس واحد، إلا أن النوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، وهما يشتركان في كون كل منهما توفيا للنفس، ثم يمتاز أحدهما عن الآخر بخواص معينة؛ في صفات معينة، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم".

 

  • وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر الشر، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من الغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل».

 

  • "يأمر الله تعالى السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات البقل، مما تبقى من الأجساد؛ إذ يفنى كل شيء إلا عجب الذنب، ومنه ينبتون، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت؛ قال الله: ليحي جبريل وميكائيل، فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها؛ تتوهج أرواح المسلمين نورا، والأخرى ظلمة ، فيقبضها جميعا، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله: وعزتي وجلالي، ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، فيخرجون منها سراعا إلى ربهم ينسلون".

 

  • "فما هذا، أيجدر بالإنسان أن يكون عند الضلالة جبريا، وعند الطاعة قدريا؟ كلا، لا يليق بالإنسان ذلك، وكم قعد هذا المعتقد الخاطئ الفاسد بكثير من المسلمين عن العمل الجاد النافع، فضعفوا وهانوا، وأصيبوا بكل قاصمة للظهر، حتى أصبحوا مضرب المثل في العجز والكسل، والتخلف في ميادين العمل والإنتاج. فلننظر كيف تحول مذهب الجبر إلى مذهب معطل قاتل، لا يقود أهله إلا إلى خسران الدنيا والآخرة، أرأيت لو أخذ الناس كلهم بهذا المذهب؛ ماذا كان يحدث للحياة؟ كانت تنتهي وكفى!!".

 

  • "كما أننا نقول: النار تحرق، والذي خلق الإحراق فيها هو الله تعالى بلا شك فليست محرقة بطبيعتها، بل هي محرقة بكون الله تعالى جعلها محرقة، ولهذا لم تكن النار التي ألقي فيها إبراهيم محرقة؛ لأن الله أمرها أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم، فكانت بردا وسلاما على إبراهيم، فالنار بذاتها لا تحرق ولكن الله تعالى خلق فيها قوة الإحراق، وقوة الإحراق هي في مقابل فعل العباد، كإرادة العبد وقدرته، فبالإرادة والقدرة يكون الفعل، وبالمادة المحرقة في النار يكون الإحراق، فلا فرق بين هذا وهذا، ولكن العبد لما كان له إرادة وشعور واختيار وعمل؛ صار الفعل ينسب إليه حقيقة وحكما، وصار مؤاخذا بالمخالفة معاقبا عليها لأنه يفعل باختيار ويدع باختيار".

 

  • "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه ، وكل ميسر لما خلق له. والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله".

 

  • "إن الإنسان لا يشاء شيئا إلا إذا كان في حدود مشيئة الله وإرادته، فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، والله قد شاء للإنسان أن يختار إحدى الطرق: طريق الهداية، أو طريق الضلالة. فإذا اختار الطريق الأول ففي نطاق المشيئة الإلهية، وإذا اختار الطريق الثاني ففي نطاقها أيضا".

حقيقة الإيمان - الجزء الثاني
حقيقة الإيمان - الجزء الثاني
عمر بن عبد العزيز قرشي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00