اصطفى الله سيدنا محمدا ليكون خاتما للنبيين، وينبغي علينا أن نؤمن بأنه لا نبي بعده، وبأنه إمام المتقين وحبيب الرحمن، وأن نؤمن بأن الله قد أيده بعدد من المعجزات، فأكبرها وأعظمها خلودا هو معجزة القرآن الكريم، وهي المعجزة المعنوية الباقية إلى يوم الدين، وذلك بالإضافة إلى المعجزات الحسية الأخرى؛ كمعجزة الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر وتسليم الحجر عليه وتسبيح الطعام بين يديه، وحنين الجذع إليه، وغيرها من المعجزات.
فمحمد صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ويعود نسبه إلى سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقد ولد بدار أبي يوسف، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول في عام الفيل، الموافق عام خمسمئة وسبعين ميلاديا (570م). وأمه هي آمنة بنت وهب، ومات والده عبد الله قبل أن يولد هو، فكفله جده عبد المطلب، ثم ماتت أمه وعمره ست سنوات، وحضنته أم أيمن جارية أبيه، ومات جده عبد المطلب فكفله عمه أبو طالب.
ثم نشأ صلى الله عليه وسلم نشأة الخير والطهر والشرف والكرامة، فكان المثل الأعلى في الصدق والأمانة والحكمة، ولم يسجد لصنم، ولم يشرب خمرا، ولم يلعب ميسرا. وحينما بلغ سن الأربعين من عمره، جاءه جبريل بينما كان يتعبد في غار حراء في شهر رمضان، وذهب صلى الله عليه وسلم وهو يرتجف إلى السيدة خديجة زوجته، والتي طمأنته قائلة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، والذي كان نصرانيا، وحينما أخبروه عما حدث قال لهم: "هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى".
بدأت الدعوة إلى الإيمان بالله فردية، وتلقى رسول الله هو وأصحابه صنوفا من الأذى والاضطهاد ما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنورة، والتي كانت تسمى يثرب قبل الإسلام. ولم يقبض رسول الله حتى انتظم الإسلام كاملا بشبه جزيرة العرب، وحتى تم التشريع الإسلامي أوفر وأقوى ما يكون، وذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، بعد مضي عشر سنوات وشهرين على هجرته إلى المدينة.
وقد نال الرسول صلى الله عليه وسلم جميع مؤهلات النبوة التي ذكرناها من قبل، فمن ناحية المثالية كان محمد أكمل الناس ذاتا وأجملهم وجها وأحسنهم خلقا، ومن ناحية شرف النسب فقد كان ينتمي إلى بيت بني هاشم وهو أشرف بيوت قريش التي هي أشرف القبائل العربية، ومن ناحية عامل الزمن، فقد جاءت بعثته المباركة في وقت مثالي وحاجة واقعية ماسة؛ وذلك لوجود فراغ روحي كبير في الناس في ذلك الوقت؛ قد نتج عنه فساد اجتماعي واسع.
وقد ذكر سيدنا محمد في التوراة وفي الإنجيل، فجاء في التوراة في سفر التثنية:
«جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران، ومعه ألوف الأطهار".
ومعنى ذلك أن الله تعالى ناجى موسى وأوحى إليه بسيناء، وأرسل عيسى وأوحى إليه بساعير وهي من أرض الجبل المقدس، وبعث محمدا رسولا معلنا "لا إله إلا الله" مستعلنا بها من مكة الواقعة بين جبال فاران.
وفي الإنجيل ذكر عيسى عليه السلام لفظة "فار قليط" الذي سيمكث مع الناس للأبد، وترجمة كلمة "فار قليط" هي محمد أو أحمد، وبقاؤه للأبد تعني بقاء دينه وكتابه وسنته محفوظة بحفظ الله للأبد.
ونحن نعتقد بأفضلية النبي صلى الله عليه وسلم، وعلو درجته وعظم مكانته، إلا أن ذلك لا يخرجه عن صفة العبودية لله عز وجل ، فهو عبد من عباد الله، وبشر من خلق الله ليس إلها ولا ابن إله، ولا شريكا مع الله، كما زعمت النصارى في نبيهم.