الأيدولوجيَّةُ الصهيونيَّة - الجزء الأول

مقدِّمة

بعد معركة بيروت المجيدة، اتَّضحت أبعاد المواجهة بين الصهيونيَّة العالميَّة والقوميَّة  العربيَّة، فأصبح المخطَّط الصهيونيُّ لا يستهدف الأرض الفلسطينيَّة وشعبها فحسب؛ بل امتدَّت أطماعه إلى لبنان والأردن ومصر.

والأيدولوجية الصهيونيَّة هي علم اجتماع المعرفة، وعلم اجتماع المعرفة هو العلم الذي يتناول علم الأفكار بالمجتمع، وكيف يتبنَّى الأفراد مجموعة من الأفكار المحدَّدة المشتركة ليكونوا جماعة إنسانيَّة، لها فهمٌ ورؤيةٌ خاصَّة تحدِّد سلوكهم السياسيّ، وكيف تواجه التحديَّات والنتائج التي تنشأ من النسق الفكريّ ذاته.

الفصلُ الأوَّلُ

جذورُ المسألةِ اليهوديَّة

يتميَّز الوجود التاريخيُّ الإنسانيُّ المتعيِّن بأنَّه لا يمكن ردُّه إلى نسق واحد بسيط، فالإنسان نقطة تتلاحم فيها الأنساق المختلفة، والظاهرة الصهيونيَّة ظاهرة مركَّبة يمتدُّ ظهورها إلى كثير من الأسباب، ومن الضروريِّ فهم هذه الجذور والملامح الخاصَّة للأنساق التي نشأت في داخلها الصهيونيَّة.

التجارة والرِّبا: من سمات التاريخ الاقتصاديّ اشتغال اليهود في أوروبا بمهن معيَّنة مثل التجارة والربا، وبحرَف معيَّنة مثل قطع الماس وصنع الحُليّ والصياغة، وهذا التميُّز والتخصُّص الوظيفيُّ أعطى لوجودهم التاريخيّ منحنًى خاصًّا، ممَّا أدَّى إلى ظهور المشكلة التي تعرف "بالمسألة اليهوديَّة"، والتي طرحتها الصهيونيَّة  نفسها على أنَّها الحلُّ الأوحد لها.

وقد اشتغل اليهود بالزراعة عند الاختلاط بالكنعانيِّين، وامتلكوا الأراضي الزراعيَّة، وإنّ الادِّعاء العنصريَّ القائل بأنَّ "الطبيعة الخاصَّة" لليهود هي التي جعلتهم ينجذبون إلى هذين القطاعين هو ادِّعاء ساذج، فكثير من المجتمعات اليهوديَّة اشتغلت بكلِّ القطاعات الاقتصادية المتاحة.

الجيتو: هو حيٌّ مقصور على إحدى الأقليَّات الدينيَّة أو القوميَّة ، وأمَّا عن أشكال الوجود الانعزاليِّ في مجتمعات شرق أوروبا؛ فتتمثَّل في الشتتل والقهال ومناطق الاستيطان والجيتو، ومن الأشكال الإداريَّة الجيتويَّة "القهال"، وهي كلمة عبريَّة تعني "جماعة".

أمَّا عن البناء الطبقيّ للجيتو؛ فتنقسم أعمال اليهود إلى قسمين: الأعمال التي تفيد الجماعة اليهوديَّة وحدها، وتضمُّ المجموعة الأولى الحاخامات والمدرِّسين، ومن يقومون بأعمال الذبح الطقوسيّ، وموظَّفي الحمَّام، وكاتبي لفائف الشريعة، وحرَّاس المعابد والمقابر، وأمَّا المجموعة الثانية فتضمُّ الجزَّارين، وصانعي الشموع، وتجَّار الكتب، والمجموعة الثالثة تضمُّ المشتغلين بالحرف والتجارة والنقل والخدمات، وعندما كان فقراء الجيتو غير قادرين على دفع الضرائب؛ كان الأثرياء يقومون بدفعها كلِّها، فتحوَّلوا بذلك إلى أرستقراطيَّة ذات ثقل كبير فرضت هيمنتها على اليهود.

 وبالنسبة إلى علاقة اليهود بالمجتمع الخارجيّ؛ فلم يضمّ من الأساسِ الملوكَ والأمراءَ والنبلاءَ والأشرافَ والفلَّاحين، ولذلك كانت المنافسة بين اليهود من جهة والتجَّار والحرفيِّين من جهة، ولم تكن بين اليهود أنفسهم.

وقد عاش اليهود في عزلة كاملة بسبب الجيتو، كما أنَّ القوانين الدينيَّة اليهوديَّة عمَّقت من عزلتهم؛ فهم لا يأكلون مع الأغيار ولا يتزوَّجون ولا يدفنون إلَّا مع بعضهم البعض، فيعيش اليهوديُّ في عزلة كاملة عند الميلاد وفي الحياة والموت.

وفي داخل الإطار الحضاريّ الانعزاليّ، تزداد أهميَّة بعض الشخصيَّات التافهة؛ التي ليس لها أيُّ دور إنتاجيٍّ مثل الموهيل الذي يقوم بالتختين، والشوحيط الذابح الشرعيّ، والشمَّاس حارس المعبد اليهوديّ، ولكنَّ أهمَّ شخصيةٍ على الإطلاق هو الحاخام، وأهمّ مكان هو المعبد؛ فلم يكن مكانًا للصلاة فحسب، بل كان أيضًا للتعليم والاجتماع ويتبادل فيه اليهود المعلومات التجاريَّة ويتناقشون فيه بصوت عالٍ ويتشاجرون بالأيدي.

وقد كان للحاخام دور كبير؛ بسبب مفهوم الشريعة الشفويَّة الذي تنفرد به الديانة اليهوديَّة، والذي ساوى بين الكتاب المقدَّس وتفسيره؛ هذا المفهوم دعم مركز الحاخامات، وأضفى عليهم ضربًا من القداسة، وكان الحاخامات يتلقَّون تعليمًا دينيًّا صِرفًا، ويشكِّلون طبقة مثقَّفي الجيتو، فاليهوديُّ كان لا يدرس إلَّا في مدارسَ شبيهةٍ بالكتاتيب؛ ملحقة بالمعهد اليهوديّ يطلق عليها اسم "هيدر حيدر"، ثمَّ ينتقل منها إلى هامدراش ثمَّ إلى اليشقيا أو المدرسة التلموديَّة.

الدين اليهودي: وتتميَّز اليهوديَّة بأنَّ المطلق فيها ذاتيٌّ، واليهود لا يُعِدُّون أنفسَهم جماعةً دينيَّةً فحسب، وإنَّما جماعة قوميّة لها لغتها وتراثها الدينيّ والقومي الخاصّ مثل: "فكرة الشعب المختار"، وتؤكِّد الطقوس الدينيَّة اليهوديَّة على الانفصال عن الأغيار بشكل حادّ، فالاحتفال بيوم السبت والختان وقوانين الطعام اليهوديَّة وتحريم الزواج المختلط، كلُّ ذلك يهدف إلى تذكير اليهوديِّ بانفصاله وتميُّزِه وتفرُّدِه.

 ومن أهم العقائد اليهوديَّة عقيدة الماشيح، وهو عندهم ملك من نسل داود سيأتي في نهاية التاريخ؛ ليجمع شتات اليهود الألمان، ويعود بهم إلى الأرض المقدَّسة، ويحطِّم أعداء إسرائيل، ويتَّخذ أورشليم عاصمةً له ويعيد بناء الهيكل.

 والذي نمَّى إحساس اليهود بأنفسهم انشغالهم بالتجارة؛ فالتاجر لا وطن له، ولا تحدُّ وجدانه أو تصوُّراتِه أيَّةُ قيود أو حدود، على عكس الفلَّاح الذي لا يجيد التعامل إلَّا مع قطعةٍ معيَّنةٍ من الأرض.

 ومن السمات الأخرى البارزة لليهوديَّة: أنّها ديانة تعبِّر عن عبقريَّاتها في غالب الأمر عن طريق التصوُّف، فبالنسبة للمفكرين المتصوِّفين، دائمًا كانت مكانة اليهوديِّ مرتفعة مقارنة بالأديان الأخرى.


الأيدلوجية الصهيونية - الجزء الأول
الأيدلوجية الصهيونية - الجزء الأول
عبد الوهاب المسيري
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00