• إن التفسير الوحيد الذي توصلت إليه هو أن محمدا؛ هو أعظم عبقرية بشرية؛ لأن التاريخ قد عرف موهوبين بصورة فائقة، ولكن أحدا لم يستطع تجاوز الزمان والمكان مثل محمد صلى الله عليه وسلم.

 

  • إنّ ظهور القرآن المفاجئ في الحجاز فيبدو كأنه شجيرة ورد تظهر فجأة كاملة التفتح في أكثر قطاعات الربع الخالي من شبه الجزيرة العربية قحطا. شعرت أن لو كان محمد هو مؤلف القرآن لكان إلى جانب كونه ألمع عقل في التاريخ، شديد الورع والإخلاص والغيرية؛ إذ يعد القرآن أصفى وأنقى شهادة على التوحيد في الوجود ويبدي التزاما عاطفيا رحيما عميقا بمساعدة البشرية يرشد الرجال والنساء إلى محبة الله والحياة الورعة.

 

  • ويبدو كذلك أن النبي كان متواضعا ناكرا للذات بصورة ملحوظة؛ لأن الكتاب يؤكد على أن محمدا ليس سوى واحد من الناس وأن دوره لا يعدو إيصال الرسالة، وأنه لا يتمتع بقوى خارقة، وأنه كغيره من بني البشر، وعليه فإن مثل هذا التواضع نادر في أشخاص متفوقين فكريا على أقرانهم، وإذا كان محمد قد ألف القرآن فذلك يعني أنه قد عكف بنفسه على خدمة الله والبشرية وتعليم الفضيلة، ولكني مع ذلك لا أستطيع تجاهل أنه قد دبر أكبر خدعة بتلفيقه لكتاب يصور نفسه أنه رسالة مباشرة من الله إليه، ولا يستطيع على مثل هذه الكذبة الهائلة أن ينتج دعوة إلى الحقيقة والخير بمثل هذه القوة..

 

  • تقع الأعمال الصالحة في القرآن ضمن ما يسمى بالقانون الذهبي القائل: عامل الآخرين كما تحب أن يعاملك الآخرون. وعلى الرغم من أن الكتاب يحتوي على أمثلة عديدة من الأعمال الصالحة، فإنه لا يحتوي إلا على قليل من المفاجآت، ولا يحتوي على ما يلقي ضوءا مباشرا على العلاقة بين فعل الخير وحب الله. ولقد دهشت بإصرار القرآن الشديد على النشاط الاجتماعي، وعلى «الجهاد في سبيل الله» و «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ورغم أني لم أعترض أخلاقيا على الحملة من أجل العدالة، فإني لم أتوقع أن يؤكد القرآن تأكيدا على ضرورة الانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية، لأني كنت أعتقد أن الدين شأن خاص وشخصي. فالتصور بأن الإيمان يجب أن يتضمن عملا قويا لخير المجتمع وإصلاحه جعلني أتساءل حول تعاظم العلاقة بين الإيثار والاقتراب أكثر من الله.

 

  • مرت علي أوقات وأنا أقرأ فيها القرآن، وأكون على وشك الاستسلام، أشعر أن كلمات المؤلف - صوته - تغمرني وأن الله هو الذي يكلمني من خلال هذا الكتاب ولا أرتبك إن قلت: إني كنت أتأثر بحيث تنهمر دموعي على وجنتي في مناسبات عديدة، وأشعر أني في حضرة قوة هائلة ورحمة غامرة . كانت اللحظات الروحية هذه تأخذني دائما على حين غرة . وكنت أحاول مقاومتها، وإبعادها عني ولكنها كانت أقوى من أن تقاوم، وكانت مؤثرة جدا بحيث لا يمكن دفعها، لذلك كانت مقاومتي تضعف أكثر كلما توغلت في النص أكثر. وأتت علي لحظات تيقنت فيها من وجود الله، عندما كنت أشعر بوجود إله أعرفه، ولكني كنت أحاول نسيانه. لم أعرف إن كنت في حالة أفضل أو أسوأ لدى قراءة القرآن، ولكني عرفت أني تغيرت وأني لم أعد أثق بإلحادي.

 

  • يقول المؤمنون إنهم يشعرون بالحب الإلهي الحميم قويا في أثناء انخراطهم بأداء الشعائر. وربما يكون ذلك نتيجة الحقيقة التي مفادها أن المؤمنين خلال الشعائر يركزون بوجه خاص على علاقتهم بالله. ومع ذلك، فإن بعض المؤمنين، خصوصا أولئك الذين وصلوا إلى درجة عالية من التقوى والتواضع والسلام الداخلي الذاتي، يشعرون بهذا الحب ويستمتعون به بقوة أكبر، وفي مرات أكثر من سواهم. ويبدو - للمرة الثانية - أن النمو في الخير والعمل الصالح يزيد من قابلية تلقي المؤمنين لأسماء الله الحسنى، سواء على صعيد مقدرتهم على استيعابها في ذواتهم، أو على صعيد مقدرتهم على الإحساس بها في أثناء أدائهم للشعائر الدينية. ومع ذلك فإن الإحساس بالحب الإلهي في هذه الحياة لا يكاد يشير إلى الإحساس به في الحياة الآخرة عندما تنزع الأقنعة والمغويات الدنيوية.

 

  • قام في تراث أديان كثيرة، جدال واسع حول مسألة الأولوية: الإيمان، أم العمل ؟ هذا السؤال خاطئ من وجهة نظر القرآن لأنه يلح على الخيار، حيث ينبغي ألا يكون هناك خيار لأن الاثنين ضروريان وجوهريان، يعزز كل منهما الآخر ويزيده . فالإيمان يدفع إلى الأعمال الصالحة التي تزيد بدورها مقدرة تلقي أسماء الله الحسنى والإحساس بمدلولاتها؛ وهذا الإحساس بدوره يزيد إيمان المرء، الذي يزيد من رغبته في القيام بالأعمال الصالحة، وهكذا، فإن كلا منهما يعد وظيفة للآخر، صعودا إلى الأعلى بحركة حلزونية مستمرة نحو مصدر الخير والصلاح كله.

ضياع ديني - صرخة المسلمين في الغرب
ضياع ديني - صرخة المسلمين في الغرب
جيفري لانغ
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00