حقيقة الإيمان (الجزء الأول)

 

1- مُقدّمات في العقيدة

إنّ منزلة العقيدة الإسلاميّة من الأهميّة بمكان، كمنزلة الرأس من الجسد، لهذا أردتُ أن أقوم بجمعها وتحقيقها بما يتناسب مع عقيدة السلف الصالح، بعيدًا عن الفلسفة والجدل، لنتبيّن الحقّ من الباطل، والإيمان من الكُفر، بمنطق وسطيّة الإسلام، وبعيدًا عن الإفراط أو التفريط.

معنى العقيدة

كلمة العقيدة في اللغة هي من العُقدة، أي الرباط الوثيق، وهي مجموعة من قضايا الحقّ البديهيّة التي يعقد عليها الإنسان قلبه، قاطعًا بوجوبها ورافضًا لأيّ شيءٍ خلافها.

محتوى العقيدة

تشمل العقيدة اعتقاد الإنسان بوجود خالقه وقدرته عليه، واعتقاده بوجوب طاعته فيما بلغه من أوامره ونواهيه، واعتقاده بغنى ربّه تعالى عنه، وافتقاره إليه في كلّ شأنه، وهي تضمُّ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرِّه. وهي تتلخَّص في كلمة التوحيد: أشهد أَنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله.

حاجة الإنسان إلى العقيدة

إنّ الدين ضرورة من ضرورات الحياة، ولا غنًى للإنسان أبدًا عن الإيمان بالله، فلا يُمكن أن يكون العقل وحده سببًا للهداية إلى الخير والنفع في أمور الحياة، فالعقل لا يُدرك حقيقة الأمور إلَّا على ضوء الشرع الإلهيّ.

معنى الإسلام

الإسلام في اللغة هو الاستسلام والانقياد، وفي الشرع هو إظهار الخضوع والالتزام، وهو دين الله، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها. أساس الإسلام في كلمة التوحيد، يأتي بعدها أركانه وهي الصلاة والزكاة والصوم وحجّ البيت.

 

مفاهيم يجب الوقوف عندها

مفهوم الإيمان والكُفر

إنّ الأساس الذي يقوم عليه الإيمان والكفر هو الاعتقاد بوجود الله وبوحدانيته، وهي أخطر القضايا الإنسانيّة لأنَّها تتَّصل بعلاقة الإنسان بربِّه، والتي هي أهم العلاقات التي يرتبط بها الإنسان مع غيره. بالنسبة للإيمان فهو قولٌ وعملٌ، وهو ما يعني التزام الظاهر والباطن بكلام الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، التزام الباطن يظهر في قول القلب وهو ما يعني التصديق، وعمله من مشاعر الحبِّ والخوف والتسليم، والتزام الظاهر يظهر في الإقرار باللسان وعمل الجوارح،كفعل المأمورات وترك المحظورات. هذان هما الشرطان الخاصَّان بصحَّة الإيمان عند أهل السُنّة والجماعة، لذلك نجد أنّ المُنافق يلتزم ظاهرًا، ولكنَّه لا يستطيع أن يلتزم باطنًا.

أمَّا الكُفر، فمعناه في اللغة الستر والتغطية، وفي الشرع هو نقيض الإيمان، ويعني إنكار ما يجب الإيمان به، وهو إمَّا كُفر عقيدة أي عدم الإيمان بما يجب الإيمان به من وجود الله ووحدانيَّته وصفاته، أو كُفر عمل كالسجود للأصنام والاستهانة بالمصحف وسبّ النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وغير ذلك، والكُفر قد يأتي عن علمٍ أي مقصود، وعن جهلٍ أي غير مقصودٍ كما في قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [سورة النساء: الآية ١٧].

وبالنسبة للـتكفير فهو الحُكم على الإنسان بالكُفر، وهو حكمٌ خطيرٌ في الإسلام، ولذلك يجب التأكّد من أسبابه أوَّلًا قبل تقريره بلا أدنى شُبهة، والكافر الحقيقيُّ هو من انعقد قلبهُ على الكُفر واقتنع به، وعلى كلِّ مسلم ألَّا يُطلق كلمة الكُفر على إنسانٍ ما؛ لأنّ الآثار المترتّبة على ذلك خطيرة فعلًا، مثل وجوب التفريق بينه وبين زوجته، وأنّه عند موته لن يُغسّل أو يُصلّى عليه، ولن يُدفن في مقابر المسلمين.

وحسب كلام ابن القيّم فإنّ الرجل قد يجتمع فيه الكُفر والإيمان، والتقوى والفُجور، وهذا من أعظم أصول أهل السُّنّة، وخالفهم فيه أهل البدع كالخوارج والمعتزلة.

كلمة التوحيد

لا إله إلَّا الله، هي الكلمة التي من أجلها خلق الله عزَّ وجلَّ الخلق، وهي حقُّ الله على العباد، وفضائلها كثيرة وعظيمة، فهي كلمة التقوى، وهي كلمة الإخلاص، وهي براءة من الشرك، ولأجلها أُعدّت دار الثواب، ودار العقاب، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، وهي نجاة من النار.

هناك سبعة شروط لكلمة التوحيد حتى ينتفع صاحبها بها حقًّا وهي:

 1-العلم بمعناها المُراد منها.

2- اليقين المُنافي للشكِّ أي اليقين الكامل فيها بلا ذرّة شك.

3- القَبول المُنافي للردِّ أي القَبول بكلِّ ما تقتضيه هذه الكلمة.

4- الانقياد لما دلّت عليه أي التسليم للأوامر وترك المعاصي.

5-الصدق المُنافي للكذب أي تصديق القلب واللسان معًا.

6- الإخلاص المُنافي للرياء أي تصفية نيّة العمل من جميع شوائب الشرك،

والشرط السابع والأخير هو المحبّة لكلمة التوحيد ولما اقتضتهُ، ولأهلها والملتزمين بها.

وكلمة التوحيد التي نقول فيها: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنّ مُحَمَّدًا رسول الله، تأتي كلمة أشهدُ فيها بمثابة المشاهدة أي الرؤية القلبيّة والبصريّة، والشهادة تعني إقرارًا واعترافًا باللسان، وتأتي أيضًا بمعنى الحلف واليقين، لذلك فشهادة الإنسان أنَّه لا إله إلَّا الله، لا يؤخذ بها إلَّا باستجماع هذه المعاني كلِّها معًا.

نواقض الإيمان*

هي أسباب الخروج من الإسلام بعد الدخول فيه، كالكفر، وينبغي علينا أن نُكفِّر من يُجاهرون بكفرهم، كالشيوعيّين المُقتنعين بالشيوعيّة كعقيدة، والعلمانيّين الرافضين لشريعة الله والذين يُطالبون بفصل الدولة عن الدين، وأمثالهم مثل الجماعات النصيريّة والبهائيّة وغيرها.

ومن نواقض الإيمان أيضًا الشرك الأكبر المُخرج من الملّة، وهو كلّ ما هو ضدّ توحيد الألوهيّة، كأن يجعل العبد بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة.

والنفاق من نواقض الإيمان أيضًا، وهو نوعان: النفاق الأكبر المُخرج من الملّة، كتكذيب الرسول مثلًا، والنفاق الأصغر الذي لا يُخرج من الملّة كالكذب وخلف الوعد والفجور.

ومن نواقض الإيمان أيضًا الرِدّة، ومزاولة السحر، والرضا بانتشار المُنكر، وسبّ الدين، وسوء الأدب مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وغيرها كثيرٌ.

 * يُنصح بالعودة في جزء نواقض الإيمان للكتاب الأصليّ.

حُكم تارك الصلاة

لا يجوز التسوية في الحكم بين الجاحد والتارك، فالإنكار أو الاستهزاء بأيِّ فريضة في الدين كفر، أمَّا الترك الكامل، فهذا لا يعتبر كُفرًا في أيّ فريضة عدا الصلاة، فاختُلف في حكم تاركها تكاسلاً لا جُحودًا. وبحسب ابن القيّم، فإنّ ترك الصلاة يعتبر من الكُفر العمليّ، وتارك الصلاة كافر، ولكن هو كُفر عمل لا كُفر اعتقاد، فلا يٌقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة.

كلمة لا إله إلَّا الله

اشتملت هذه الكلمة على كُفر وإيمان؛ كُفر بكلِّ إله زائف، وبكلِّ طاغوت من دون الله، وإيمان بالله الواحد الأحد، والطاغوت في اللغة هو كلّ ما زاد عن الحدّ المفروض، والمقصود به كلّ ما عُبد من دون الله من أصنامٍ أو مخلوقات. قال تعالى (فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ) [سورة البقرة آية ٢٥٦].

فكلمة لا إله إلَّا الله هي قاعدة الدين وأساس الإسلام؛ لأنَّها اعتراف النّاس بربوبيّة الله وحده، لا يُشركون معه أحدًا في ألوهيَّته.

الإيمان بالله والإلحاد

يُدرك الإنسان بفطرته وجود الله، وجاءت الرسل لتصحيح فكرة الناس عن الألوهيّة، لا لإثبات وجودها. إنّ وجود الله تعالى وقدرته وجميع صفاته، يشهد له كلُّ ما نُشاهده فينا ومن حولنا بالحواسّ الظاهرة والباطنة، أمَّا الإلحاد الموجود عند بعض الناس، فهو على عكس الفطرة، وهو نتيجة ردود فعل عنيفة لبيئة فاسدة، ولم يُعرف الإلحاد بإنكار الخالق بين البشر إلَّا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصّة عندما ظهر المذهب الشيوعيّ الماركسيّ.

وهناك بعض العوامل التي ساعدت على انتشار الإلحاد في العالم، ومنها ظلم الكنيسة النصرانيّة للشعوب واستغلالهم باسم الدين، وفساد الديانة النصرانيّة ومنافاتها للعقل خاصّة في قصة جعل عيسى ابنًا للإله، ممَّا جعل أصحاب هذه الديانة يكفرون بإله الكنيسة الغربيّة، ويتَّجهون نحو العلم والحسّ والمادّة، فأنكروا من بعدها الإله والآخرة والجنّة والنّار.

والإلحاد ليس له صورة واحدة وإنّما هو مُتلوِّن كالحرباء، له أشكال عديدة، كالشيوعيّة والماركسيّة والوجوديّة والعلمانيّة والجماعات الماسونيّة، والتي هدفها الأوَّل هو القضاء على الإسلام أوَّلًا ثمَّ بقيّة الأديان، وكانت أوربا هي الضحيّة الأولى لهذا الإلحاد.


حقيقة الإيمان - الجزء الأول
حقيقة الإيمان - الجزء الأول
عمر بن عبد العزيز قرشي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00