الشُروع في الرحلة

 

مداخل لفهم القرآن

القرآن الكريم تنزيل صالح لكل إنسان وزمان ومكان، فالقرآن يستخدم المجاز والحكايات الرمزية ذات المغزى الأخلاقي من أجل الوصول إلى إقناع الجمهور متعدد الثقافات واللغات.

والتصور القائل بأن القرآن الكريم استعار مادته من الكتاب المقدس، إنما هو تصور غير ملائم؛ فالقرآن يحتوي عددا من القصص التي لم تكن معروفة إلا في الجزيرة العربية. ويروي القرآن لنا الأحداث بطريقة يتم التركيز فيها على المغزى الأخلاقي، وقد يحذف بعض التفصيلات التاريخية التي لا تخدم الهدف التربوي أو الأخلاقي الذي من أجله ذُكرت القصة أو الحدث التاريخي.

والتحول إلى الصراط المستقيم هو نعمة ربانية يمنحها الله لعباده الذين يسعون لنيل الهداية الإلهية ويعملون لها، أما الذين لا يتبعون هدى الله فسوف يَلقون ضَنْك العيش والسخط الشديد والضياع التام.

ويوصي علماء التفسير بتدبر آيات القرآن الكريم بالعقول والقلوب جيدًا، كي نحظى بأكبر قدر ممكن من النفع ولا نحرم أنفسنا من الوسائل التي تميط اللثام عن الحقائق الدفينة.

وقد أراد الله لآدم عليه السلام أن يسكن هو وذريته الأرض، يُعمِّرون الأرض ولا يُفسدون فيها. وحينما سَأَلَتْ الملائكة اللهَ عز وجل لماذا خَلَقْتَ آدم وفي طبعه الفساد والإجرام، ونحن نُسبِّح لك ونُقدس لك، ونَعبُدُك ولا نَعْصِيك؛ جاءت إجابة الله سبحانه وتعالى بأن آدم عليه السلام عنده قدرة على التعلم واكتساب المعرفة وتلقي العلم، مما يسمح للإنسان أن يتواصل بخبرته ومعرفته على مستوى عالٍ من المعرفة والعلم مقارنة بالمخلوقات الأخرى.

وأخيرا فقد حان الوقت للإجابة عن السؤال الأكبر في هذا الكتاب؛ وهو: لماذا خلق الله الإنسان وأنزله إلى الأرض يشقى ويقاسي؟!

والإجابة هي أن الله سبحانه وتعالى يؤكد في القرآن أن حياة الإنسان ليست عقوبة له في الأرض، بل الحقيقة أن الإنسان يمتلك الذكاء الذي يفوق بشكل نسبي ذكاء المخلوقات الأخرى، وطبيعة الإنسان أكثر تعقيدا إضافة إلى أنها تمتلك مساحة أكبر من الحرية الشخصية، وعلى هذا فالإنسان ليس لديه قابلية أكبر للضلوع في الشر وحسب؛ بل لديه بالمقابل الاستعداد للارتقاء في الفضيلة أيضا.

إن التفكير من أجل الوصول إلى الإيمان أمر موجود في القرآن، وغالبا ما يَذْكُر الإسلاميون الغربيون هذه الفكرة لكي يقنعوا بها المسلمين الجدد.

ويؤكد القرآن الكريم على أن خيارات الإنسان لا تُنقِص من سلطة الله ولا تهددها أبدا، ولكن من شأنها أن تُحَمِّل الإنسان نتائج خطيرة بالنسبة لمصيره؛ فالإنسان هو المستفيد الأول في حالة فعله للخير، وهو الضحية الأولى في حالة فعله للشر. وجميع الآيات القرآنية تؤكد أن الله إنما يَهدي الشخص وفقًا لاختياراته وميوله ونزعاته؛ لذلك نجد أن الله لا يهدي الظالمين ولا يهدي المعتدين، بل إن الله يهدي من يستمعون القول ويهدي المخلصين.

والقرآن الكريم يخبر المؤمنين بأنه لا بد من المعاناة، وأن عليهم أن يصبروا ويَثبتوا في أوقات الشدة، وأن عليهم أن يتطلعوا إلى الأمام بحثا عن فرص أفضل لتحسين أوضاعهم وتصحيح الأخطاء الموجودة لديهم، وكذلك يخبر القرآن المؤمنين بأن عِظَمَ البلاء مع عِظَم الجزاء.

 

مفهوم الإيمان

ولو تأمل المسلم في رَوحانيات الصلاة لوجد أن ترتيب المسلمين أثناء الصلاة في صفوفٍ محكمة إنما هو تمرين رَوحاني قوي يدرب الأمة على القيادة والتنظيم والتعاون والمساواة والأخوة.

ولو تأملنا شعيرة الزكاة لوجدنا أن الزكاة ضريبة سنوية وهي شيء أشبه بضريبة الضمان الاجتماعي على أموال المسلم والتي تُوَزَّع على الفقراء والمحتاجين، فهي نوع من الإحسان والتزكية، وإيتاء الزكاة قد يبلغ بالمرء مستوىً راقيا من الصفاء الروحي .

إنّ مفهوم الإيمان في الإسلام شاملٌ وعميق، فهو ليس مجرد عقيدة أو حالة وعيٍ روحي، بل رؤية متكاملة للحياة تمتد لتشمل جميع جوانب الوجود الإنساني.

والتدبر في أسماء الله الحسنى وصفاته العُلا هو وسيلة إلى التوجه إلى بهاء الله غير المحدود، ووسيلة إلى التوجه بأرواح المسلمين نحو معرفة الله سبحانه وتعالى.

والتعرف على صفات الله سبحانه وتعالى يطور عند المسلم مفهوما أبعد ما يكون عن المادية، حيث يتقرب المسلم إلى الله من خلال عقله وقلبه وروحه ومشاعره وحدسه، وليس من خلال أية صورة مجسمة.

ويبذل المؤمن طيلة حياته جهدا كبيرا في سبيل إقامة علاقة قوية مع الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والله لا يطلب منا الكمال قبل أن يشملنا بعفوه، بل كلما ارتقينا في درجات الصلاح والإيمان ازدادت فرصة الاقتراب من عفو الله وأصبحت قلوبنا مفتوحة لِتَلَقِّيه.

وقد بين لنا القرآن أن الحياة الدنيا مرحلة أساسية في خلقنا وهي تمثل مرحلة تعلم نستطيع من خلالها أن نطور خصالنا الروحية والفكرية، وهي تزيد من قدرتنا على التعلم والتلقي.

وقد بعث الله الأنبياء لهداية البشر، فكلما مرت على الإنسان مرحلة في تاريخه، ضل فيها عن هداية الله وابتعد عن عبادته وتوحيده، أرسل الله الأنبياء على مر العصور لهداية البشر لإعادتهم إلى عبادة الله وحده.


حتى الملائكة تسأل
حتى الملائكة تسأل
جيفري لانغ
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00