يتَّسم تاريخ الصهيونيَّة بالعنف ضدَّ اليهود (والعرب)؛ وذلك لأنَّه ينطلق من رفضٍ لليهوديَّة كدين، ولليهود كمواطنين، وينطلق من نسق أيديولوجيّ يتمثَّل في فكرة (أرض الميعاد)، فتاريخ الصهيونيَّة هو تاريخ عنف، ابتداءً من محاولة خلخلة وضع اليهود القانونيّ في المنفى، وانتهاءً بالعنف المسلَّح.
الوضعُ القانونيّ:
ترى الدولة الصهيونيَّة أنَّها دولة للشعب اليهوديّ، داخل الحدود وخارجها، وبناءً على هذه الرؤية أصدرت الدولة الصهيونيَّة قوانينَ كثيرة، من أهمِّها "قانون العودة" الذي يسمح لليهود بمغادرة مسقط رأسهم إلى وطنهم القوميّ، وقانون "الوضع القانونيّ للمنظَّمة الصهيونيَّة العالميَّة والوكالة اليهوديّة"، وذلك لتنظيم الهجرة ونقل المهاجرين إلى أرض الميعاد. ووصل الأمر إلى حدِّ مطالبة الحاخام موردخاي كابلان، بالاعتراف قانونًا "بيهود العالم كشعب واحد"، وقد كان النازيُّون يَقْبَلون فكرة وحدة اليهود، مثل الصهاينة تمامًا، فقد استفاد النازيُّون من المزاعم الصهيونيَّة، وكان شعارهم هو "ليخرج اليهود إلى فلسطين".
الخلاصُ الجبريّ:
الصهيونيَّة ترى أن حياة اليهود في الشتات شبه مؤقَّتة، وأنَّه يجب فرض السيطرة السياسيَّة والصهيونيَّة على اليهود فيما يسمَّى بعمليَّة الخلاص؛ لإجبارهم على اعتناق رؤية للحياة والتاريخ قد لا يقبلونها بالضرورة، وقد بدأ الصهاينة نشاطهم بتأييد كامل من القوى الاستعماريَّة، سواءٌ في فلسطين أو العراق أو تونس أو غيرها، وأخذ المبعوثون الصهاينة يقومون بحملاتٍ لجمع التبرُّعات، والدعوة للتأييد حول العالم، ولعبت الصهيونيَّة في الجزائر دورًا من التخريب في صفوف الأقليَّة اليهوديّة، كما فعلت في باقي الدول العربيَّة، وأقيم معسكر لاستقبال اليهود المهاجرين.
كما تمَّ استغلال اليهود العرب في عمليَّات التجسُّس لخدمة الصهيونيَّة، وتخبرنا الموسوعة اليهوديّة بأنَّه كانت هناك حركة سرِّيَّة صهيونيَّة في مصر تعمل في خدمة الصهيونيَّة، ومن بين أسوأ المهامِّ المشبوهة التي قاموا بها في مصر، العمليَّات التخريبيَّة؛ حيث قاموا بوضع متفجِّرات في بعض المنشآت المملوكة لأمريكا وبريطانيا؛ لإضعاف الحكم الثوريّ في مصر أمام العالم، والتي عرفت بفضيحة لافون، والتي تسبَّبت في تعقيد موقف اليهود المصريِّين.
وهذه لم تكن المحاولةَ الوحيدة لتحقيق خلاص الشعب اليهوديّ بالقوَّة، بل كان هناك كثير من المحاولات مثل مجزرة الباخرة باتريا، التي كانت تحمل لاجئين يهودًا، والتي توصَّلت لجنة التحقيق البريطانيَّة بعد ذلك، إلى أنَّ تدميرها كان بفعل الصهاينة المتطرِّفين، ويرى آخرون أنَّ المسؤوليَّة عن الحادث تقع على عاتق "الوكالة اليهوديّة نفسها"، فالرؤية الصهيونيَّة تقوم على انعدام قيمة يهود الشتات، ومعاداة الساميَّة. وقد مارس الصهاينة أقصى أنواع الضغط على اليهود لاستيطان فلسطين، كما حدث في معسكرات المُرحَّلين في أوروبا، والتي كان من أساليبها، الطرد من العمل والحرمان من حصص الطعام.
وأيضًا من الأساليب لتحقيق خطَّة الاستيطان الصهيونيّ، إثارة التوتُّر بين أغلبيَّة السكَّان والأقليَّة اليهوديّة، كما حدث في العراق والتي شهدت عددًا من الحوادث مثل انفجار قنبلة المركز الإعلاميّ للولايات المتَّحدة والتي اعتاد المثقَّفون اليهود الاجتماع فيها، وظنُّوا أنَّها من صنع العرب، كما أنَّه كان يتمُّ التضييق على اليهود السوفيت، وقلقلة الوضع القانونيّ ليهود الغرب والشرق، لحملهم على الهجرة.
وتستند الصهيونيَّة إلى أسطورة تفوُّق اليهوديّ الأبيض (الأشكناز)؛ لذا لم تتوجَّه الحركة الصهيونيَّة إلى اليهود السفارد، ورغم ذلك يقال إنَّهم يشكلِّون أغلبيَّةَ السكَّان في إسرائيل، والذين يعانون من اضطهاد الصهيونيَّة لهم، وثمَّة جانبٌ آخر للعنصريَّة الصهيونيَّة لا يلتفت إليه الكثيرون؛ وهو علاقة الصهيونيَّة بالنازيَّة، فالدراسات الغربيَّة للظاهرة النازيَّة تهمل التشابه الفكريّ بينهما، ولكنَّ الصهاينةَ أدركوا العلاقة بينهم وبين النازيَّة، وهي علاقة ذات جذور مركَّبة، تعود لعدَّة عوامل منها، الأصول الألمانيَّة للزعامات الصهيونيَّة، ولغة المؤتمرات الصهيونيَّة الأولى والتي كانت اللغة الألمانيَّة.