الفصلُ العاشرُ: الاستجابةُ اليهوديَّةُ للصهيونيَّة

الرفضُ اليهوديُّ للصهيونيَّة:

تتَّخذ الصهيونيَّة موقفًا عنصريًّا من يهود المنفى، وعلى الرغم من الصورة التي تُروِّج لها الصهيونيَّة، فإنَّ التجمُّعات اليهوديّة في كثير من الدول ترفض تأييد النشاطات الصهيونيَّة، وتحاربها، ويتمثَّل ذلك في عدَّة اتِّجاهات منها:

الرفض الاندماجيّ، والذي يتمثَّل في أنَّ اليهود أقليَّة دينيَّة، تعتنق الديانة اليهوديّة، وأنَّ ولاءهم إلى الدول التي يعيشون فيها. وكذلك الرفض الأرثوذكسيّ، الذي يرى أنَّ الحركة الصهيونيَّة معادية للدين اليهوديّ؛ لأنَّها تهدف إلى تحويلهم من جماعة دينيَّة إلى جماعة قوميَّة، ومعظم أعضاء هذه الحركة من بقايا يهود الجيتو الذين هاجروا من غرب أوروبا إلى الولايات المتَّحدة. وأيضًا الرفض الاشتراكيّ، والذي يَصْدُر عن تصوُّر أنَّ اليهود هم أقليَّة دينيَّة، وأنَّ حلَّ المسألة اليهوديّة يكون عن طريق حلِّ المشاكل الاجتماعيَّة للمجتمع كلِّه.

وكان كثير من اليساريَّين اليهود يدركون، الدور الرجعيّ الذي لعبته الصهيونيَّة في التحالف مع الإمبرياليَّة، وفي تحويل الشباب اليهوديّ عن المنظَّمات الثوريَّة، فالاشتراكيُّون اليهود ينظرون إلى الصهيونيَّة على أنَّها حركة ثورة مضادَّة اشتركت مع القوى الاستعماريَّة من أجل السيطرة على العالم العربيّ.

وعلى الرغم من الموقف المعادي الذي واجهته الصهيونيَّة، إلَّا أنَّها قد أصبحت حركة شعبية تتمتَّع بتأييد عدد كبير من اليهود؛ بسبب الأمر الواقع الذي فرضته الصهيونيَّة؛ ابتداءً من إقامة الدولة الصهيونيَّة، وانتهاءً بسلسلة الانتصارات العسكريَّة. ولم يتوقَّف الأمر على ذلك، بل أصبحت المنظَّمات اليهوديّة الإصلاحيَّة تتبنَّى مواقفَ أكثر عرقيَّة وقوميَّة، كما أصبح الانطباع العامُّ في الغرب، هو أنَّ كلَّ اليهود صهاينة.

والجدير بالذكر أنَّه كان هناك نوعُ رفضٍ يهوديٍّ للصهيونيَّة، وكان بدوره يضعف تأثيرها على المستوى الأيديولوجيّ المعلَن، ومن المعروف أنَّ الوكالة اليهوديّة، قد أغلقت مكاتبها في عدد من المدن الأمريكيَّة، لعدم وجود راغبين في الهجرة والاستيطان في إسرائيل.

مركزيةُ الدياسبورا (الشتات):

الرفضُ اليهوديّ للصهيونية لم يكن يتمثَّل في رفض الهجرة إلى إسرائيل فحسب؛ وإنَّما أيضًا في رفض للفكرة الصهيونيَّة الخاصَّة بنفي الدياسبورا، وقد لاحظ سيمون دوفنوف أنَّ عدّة مئاتٍ من الرجال قد هاجروا إلى إسرائيل، في الوقت الذي يهاجر فيه عشرات الآلاف إلى الولايات المتَّحدة، ولذلك نجد أن عدد اليهود في نيويورك يفوق عدد سكان إسرائيل. ولقد كرَّس دفنوف جهوده لتحسين الحياة للمجتمعات اليهوديّة، سواء الحياة السياسيَّة أو الاقتصاديَّة، وتكهَّن بأنَّ "المركز الرئيسيَّ لليهود سيكون الولايات المتَّحدة"، وهذا ما حدث بالفعل.

 ومن أهمِّ المفكِّرين اليهود في الولايات المتَّحدة، الذين تبنَّوا بشكلٍ واضح فكرة مركزيَّة الدياسبورا، الحاخام الإصلاحيّ جاكوب برنادر آجوس، الذي يرى أنَّ الهويَّة اليهوديَّة ليس لها أيُّ أساسٍ عرقيّ؛ إذ أنَّ أساسَها دينيٌّ فحسب.

وعلى الرغم من أنَّ اليهود في الولايات المتَّحدة يشكلِّون أقليَّةً لا تَدين بالولاء للوطن القوميّ؛ فإنَّ هذا الموقف لا يعبر عن نفسه بشكلٍ علنيّ، ويعود هذا لعناصر عدَّة من بينها الهيمنة الصهيونيَّة على الصحافة اليهوديّة في الولايات المتَّحدة، والخاضعة لوكالة الجويش تلجرافيك آجنسي، التابعة للوكالة اليهوديّة في القدس، ولكنَّ استمرار النضال العربيّ ضدّ الصهيونيَّة من شأنه مساعدة حركات الرفض اليهوديّة في العالم؛ لأنَّ الأيديولوجيَّة   الصهيونيَّة ستظهر على حقيقتها.

 


الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
عبد الوهاب المسيري
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00