الفصل الحادي عشر: الصهيونيَّةُ والعرب

وضعت الصهيونيَّة استراتيجيَّة تُجاهَ يهود الشتات، تتمثَّل في الهجوم عليهم عن طريق التحالف مع السلطات الإمبرياليَّة، وخلخلة وضعهم القانونيّ، والتعاون مع النازيِّين ومعاداة الساميَّة، بالإضافة إلى إرهابهم في أوطانهم، وهذا يشبه المخطَّط الصهيونيَّ تُجاه العرب؛ حيث يهدف لطرد السكان، حتَّى يتسنَّى إقامة دولة يهوديَّة. ولم يكن العنف المسلَّح هو وسيلتهم الوحيدة لذلك، بل أيضًا الحرب النفسيَّة ونشر الرعب بين السكَّان، وأبرز مثال على ذلك؛ حينما أذاع الراديو أنَّ: "الدول العربيَّة تتآمر مع بريطانيا ضدّ الفلسطينيِّين".

 ونلاحظ أنَّ العقل الصهيونيَّ بمقدرته اللامتناهية على الإبداع في مجال الإرهاب، قد طوَّر وجدَّد في العنف المباشر أكثر من تجديده في الحرب النفسيَّة والمكر، ونذكر منها مذبحة دير ياسين، والمذبحة التي أعقبتها، ففي الثاني إبريل عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثمانيةٍ وأربعين ميلاديًّا (1948م) قتل الإرهابيُّون الصهاينة مِئتين وخمسين رجلًا فلسطينيًا غير مسلَّحين(250)، ونساءً وأطفالًا، ونفَّذ المذبحة إرهابيُّون من أعضاء منظَّمة الأرجون، والتي كان يرأسها بيجين، وبعد ثلاثة أيَّام من المذبحة تمَّ تسليم قرية دير ياسين للهاجاناه، لاستخدامها مطارًا.

وعلى الرغم من المخطَّط الصهيونيّ الذي كان يهدف إلى إفراغ فلسطين من سكَّانها الأصليِّين على أن تحُلَّ محلَّها مجموعات من يهود العالم؛ إلَّا أنَّ المخطَّط لم يحقِّق النجاح الشامل؛ لذلك أصدر الكيان الصهيونيّ قوانين تهدف إلى حرمان المواطنين العرب من حقوقهم المدنيَّة والسياسيَّة، ويُعّدُّ قانون العودة الذي يمنع الفلسطينيَّ الذي ولد ونشأ في فلسطين الحقَّ في الرجوع إلى أرضه، ويعطيها لأيِّ يهوديٍّ حتَّى ولم تطأ قدماه الشرق الأوسط، وهو من أكثر القوانين عنصريّة.

وقد أعرب أحد الأساتذة الإسرائيليِّين، وهو ر. كونفيتس عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازيَّة، طالما أنَّه يجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس دينيٍّ أو عرقيٍّ، وكان على السكَّان العرب، الذين ظلُّوا في ذلك الجزء من فلسطين الذي صار بعد ذلك يعرف باسم إسرائيل؛ أن يتقدَّموا بطلبات المواطنة في ظلِّ قانون الجنسيَّة لعام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ واثنين وخمسين ميلاديًّا (1952م)، وفق شروط متعسِّفة.

واستمرارًا لتحقيق المخطَّطات الصهيونيّة فقد سارعت إسرائيل إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعيَّة بعد تفريغ فلسطين من سكَّانها، وإخضاع الباقين، وقد اضطر السكَّان العرب إلى أن يرحلوا لفترة من الزمن عن قُراهم خلال الأسابيع الأولى للاحتلال الإسرائيليّ، وعند عودتهم فوجئوا بأنَّ تلك القرى تمَّ الاستيلاء عليها، فقانون الاستيلاء على الأراضي هذا يقوِّي من قبضة إسرائيل على الأراضي العربيَّة.

ولا يُعَدُّ انتزاع الأراضي من العرب، وسياسة التمييز العنصريّ ضدَّهم، هما الشكلان الوحيدان للعنصريَّة الصهيونيّة؛ ففي عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وستَّةٍ وخمسين ميلاديًّا (1956م) لقي سبعةٌ وأربعون شخصًا (47) من سكَّان قرية كفر قاسم مصرعهم بنيران رشاشات حرس الحدود، عند وصولهم إلى مشارف قريتهم، بعد يوم من العمل في الحقول، وكان بين الضحايا سبعة أطفال وتسع نساء، هذا غير أشكال التعذيب في سجون إسرائيل، والتي منها التعرُّض للصدمات الكهربائيّة وغيرها من وسائل التعذيب.

وقد امتدَّ التمييز العنصريّ ليشمل كافَّة مظاهر الحياة،  وتصفية الكيان الفلسطينيّ جسدًا وروحًا، فقد أعيدت صياغة كتب التاريخ لكي توائم الرؤية الصهيونيّة، فنجد أنَّ السكَّان العرب، الذين سكنوا المنطقة لأكثر من ثلاثةَ عشرَ قرنًا (13)، يشار إليهم في تلك الكتب على أنَّهم غزاة احتلُّوا المنطقة ثلاثةَ عشرَ قرنًا!، وقد كان الاحتلال الصهيونيّ يضع نصب عينيه هدفًا واضحًا، وهو نزع ملكيَّة الأراضي من العرب، سواءٌ أكانوا مسلمين أو دروزًا أو مسحيِّين، ففي أحد أيَّام الأعياد المسيحيَّة، نُسِفت مباني قرية كفر برعم، والتي كان سكَّانها من العرب المسيحيِّين، كما كانت تطبِّق القوانين المختلفة؛ مثل قانون العودة وغيره على الدروز مثل العرب، وقد ساهم الدروز في انتفاضات عامِ ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وستَّةٍ وسبعين ميلاديًّا (1976م)؛ استنكارًا لعمليَّة انتزاع الأرض وسياسة التمييز العنصريّ.

هذه هي بعض جوانب الهجمة الصهيونيّة على عرب فلسطين، وهي تختلف في كيفها وكمِّها عن الهجمة الصهيونيّة على يهود العالم، مع أنَّ كلتا الهجمتين ناجمتان عن النسق الفكريِّ نفسِه، وبما أنَّ الهجمة الصهيونيّة على الفلسطينيِّين كانت بهذه الشراسة؛ فقد أخذت المقاومة العربيَّة أشكالًا واضحًة أيضًا، والتي نعتها الصهاينة بأنَّها معادية للساميَّة، في محاولة لتفسيرها تفسيرًا ميتافيزيقيًّا؛ بأنَّ العرب لا يحاربون ضدّ المستعمرين، وإنَّما ضدّ اليهود، وقد ظلَّت المقاومة الفلسطينيَّة، منذ بداية تاريخها حتَّى الوقت الحالي، جزءًا من المقاومة العربيَّة.

ولم تقتصر المقاومة الفلسطينيَّة على الأشكال المسلَّحة فقط؛ وإنَّما كانت تأخذ أيضًا أشكالًا سياسيَّة؛ فقد تألَّف حزب الاستقلال عام ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثلاثةٍ وثلاثين ميلاديًّا (1933م) للمطالبة بوقف بيع الأراضي والهجرة الصهيونيّة، وتحقيق استقلال فلسطين مع بقيَّة الوطن العربيّ، لكنَّ السلطاتِ الصهيونيّة تحاول دائمًا إنكار أيَّ وجود للمقاومة الفلسطينيَّة، على المستويين اللفظيّ والفعليّ؛ أمَّا على المستوى اللفظي، فالفدائيُّون هم مجرَّد "متسلِّلين"، و"إرهابيِّين"، و"قتلة"، أمَّا على المستوى الفعليّ، فالسلطاتُ الصهيونيّة تحاول ألَّا تذكر أيَّة خسائر تُلحِقها بها المقاومة.


الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
عبد الوهاب المسيري
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00