الفصل الثاني عشر: جذور المسألةِ الإسرائيليّة

تطرح اليهوديّة نفسها على أنَّها أساسًا عمليَّةٌ لإنقاذ اليهود واليهوديَّة، وكان للصهيونيَّة هدف واحد، وهو أن تكتسب شرعيَّتها في نظر المؤمنين بها، ولكنَّها لم تنجح، لا في إنقاذ اليهود، ولا في حلِّ المسألة اليهوديّة. ومن المعروف أنَّ الحركة الصهيونيّة أثناء فترة الحكم النازيِّ في ألمانيا، لم تتمكَّن من حماية اليهود رغم كلِّ ادِّعاءاتها، ولم تفشل الصهيونيّة في حلِّ مسألة اليهود واليهوديّة فحسب؛ وإنَّما خلقت المسألة العربيّة الفلسطينيَّة، والمسألة الإسرائيليّة، ومن الضروريّ أن نميِّز بين المسألة اليهوديّة؛ وهي مشكلة يهود شرق أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وفشلهم في التأقلم مع الاقتصاد، والتي لا تنتمي إلى البنية التاريخيَّة العربيَّة، ولا علاقة لنا بها، والمسألة الإسرائيليّة، وهي مشكلة أعضاء التجمُّع الاستيطانيِّ الصهيونيِّ، الذي ولد على أرض إسرائيل، وهذه المسألة لا يمكن حلُّها دون تدخُّلِنا، ولكنْ من مصلحة الصهيونيّة، افتراضُ وحدة المسألتين، حتَّى تفرض على العالم فكرة الشعب اليهوديّ الواحد، وهذه الفكرة تمثِّل عبئًا على يهود الشتات، والإسرائيليِّين  أيضًا، وهو الذي يحاول بعض المثقَّفين الإسرائيليِّين  نسيانه، وجعله "أمرًا واقعًا". ويمكننا أن نشير هنا إلى رَجُلَي الأعمال الإسرائيليِّين ؛ هليل كوك وشمويل سولين؛ فقد اقترح الاثنان التحرُّر من سيطرة المؤسَّسات الصهيونيّة التي تربطنا بيهود الشتات، وإلغاء الميثاق بين دولة إسرائيل والمنظَّمة الصهيونيّة العالميَّة، كإحدى المحاولات الرامية إلى التملُّص وليس بالضرورة الرفض للصهيونيَّة.

وتوجد مجموعات كثيرة مناهضة للصهيونيَّة، ومن هذه الجماعات جماعة ماتزين، وركاح، والقوَّة الجديدة ليوري أفنيري، والفهود السوداء، كما أنَّ هناك بعضَ النشاطاتِ التي تقوم بها كثير من الشخصيَّات العامَّة الإسرائيليّة، وذلك من أجل حقوق العرب، وتُعارِض الصهيونيّةَ نظريًّا وعمليًّا؛ مثل شاهاك رئيس الرابطة الإسرائيليّة لحقوق الإنسان والحقوق المدنيَّة، وآخرين، والتي تعاني من ألوان من المضايقات، وتُعَدّ الجماعاتُ المناهضةُ للصهيونيَّة والغير الصهيونيّة ذاتَ أهمِّية كبيرة بوصفها بديًلا للصهيونيَّة، ولكنَّها ليس لها وزنٌ سياسيٌّ يذكر؛ وذلك لأنَّ العلاقة بين الأيديولوجيَّة   الصهيونيّة والمجتمعِ الإسرائيليّ علاقةٌ فريدة؛ فقد أنشأت الحركة السياسيَّة شعبًا وليس العكس؛ لذلك نجد أنَّ قانون العودة، وقانون الوضع السياسيّ للمنظمة الصهيونيّة، قانونان فريدان، يشكِّلان الأساسَ الأيديولوجيَّ للمجتمع الإسرائيليّ.

وحينما تتَّخذ الأحزاب المناهضة للصهيونيَّة والأحزاب غير الصهيونيّة موقفًا معاديًا للأيديولوجيَّة الحاكمة، لا يمكنها مخاطبة يهود الشتات، إلَّا في حدود ضيِّقةٍ جدًّا، وتُعَدُّ الأحزاب في إسرائيل، مؤسَّساتٍ استيطانيةً أَسَّست الدولة، وليست أحزابًا بالمعنى المتعارف عليه؛ فكلُّ حزب له مشروعاته وشركاته ومراكزه الخاصَّة، وبنوكه، والتي تتلقَّى منحًا مقدَّمةً من الوكالة اليهوديّة، وتسيطر سيطرة تامَّة على حياة أعضائها، أمَّا الأحزاب المناهضة للصهيونية وغير الصهيونيّة، فهي أقلُّ جاذبيَّة للأفراد؛ لأنَّها تحصل على أموال محدودة، لا يمكنها القيام بمثل هذا العدد من المشاريع.

ويقوم البناء الصهيونيّ للأحزاب الإسرائيليّة بفرض الموقف الصهيونيّ على رجال السياسة، ومنهم من عُرف بموقفه المعتدل، ولكنَّه أُجبِر في النهاية على تصحيح مواقفه، وتتَّضح أهمِّية التمويل الصهيونيّ للأحزاب، بالنظر إلى مصادر التمويل للجماعات القويَّة الدينيَّة وغيرها، والتي تنادي بضمِّ الأراضي المحتلَّة، ولها عدَّة مصادر داخل إسرائيل وخارجها مثل: رجال الأعمال الإسرائيليِّين الأثرياء، وشخصيَّات يهوديَّة مرموقة، وأعضاء مؤتمر رؤساء المنظَّمات اليهوديّة الرئيسة بالولايات المتَّحدة، وغيرهم الكثير، فنجد أنَّ الإسرائيليِّين  يعيشون في منطقة الشرق الأوسط العربيّ، ويتلقَّون معوناتٍ من الدول الغربيَّة. ولتوضيح الصورة وترجمتها لمصطلح سياسيٍّ؛ يُمكن القول بأنَّ الصهيونيّة هي بناء فوقيٌّ له ثلاثة أبنية تحتيَّة؛ الأوَّل هو المناطق اليهوديّة شبه المستقلَّة في شرق أوروبا (الجيتو - الشتتل - مناطق الاستيطان)، والثاني يتكوَّن من القوى الاستعماريَّة (الغربيَّة) التي تبنَّت الصهيونيّة، والثالث دولة إسرائيل نفسها، فالمواطنُ الإسرائيليُّ يعيش داخل بناءٍ فوقيٍّ صهيونيٍّ تلموديّ، تسانده ثلاثة أبنية تحتيَّة، لا يتحكَّم هو في أيٍّ منها، ولكنَّه مع هذا مدين بوجوده الماديّ وبفكره للجيتو للإمبرياليَّة الغربيَّة.

فالإسرائيليِّون  لا يتواجدون داخل أنساقٍ فكريَّة تعبِّر عن موقفهم التاريخيّ، وإنَّما هم سجناء الجيتو، بكلِّ أساطيره وطقوسه، فالمجتمعُ الإسرائيليُّ تتحكَّم فيه القوى التي تموِّل أوهامه وأساطيره الصهيونيّة، وهو يتلخَّص في دوره الصهيونيّ، الذي يدافع ذاتيًّا عن "مصير الشعب اليهوديّ" ووحدته، وموضوعيًّا عن الإمبرياليَّة ومصالحها، وكلَّما ازداد إصرار الإسرائيليِّين  على البقاء داخل الجيتو اليهوديّ، ازدادت عنصريَّتهم ضدّ الفلسطينيِّين.

ويحقِّق المجتمع الإسرائيليُّ عن طريق دوره الصهيونيّ عائدًا ماديًّا يضمن مستوًى معيشيًّا مرتفعًا ويضمن بقاءه، والإسرائيليُّون ليسوا متفرِّدين في هذا الوضع؛ فالطبقات المستغِلَّة أو الحاكمة تلجأ عادةً إلى عزل أقليَّةٍ ما عن بقيَّة طبقات الشعب، وتحقِّق لها مستوًى متميِّزًا لتستخدمها في قمع بقيَّة أعضاء المجتمع كلِّه، والإمبرياليَّة العلميَّة تنظر إلى الأمر على أنَّه استثمار سياسيٌ؛ لخلق جماعة استيطانيَّة في منطقة الشرق الأوسط، تقوم بدور العميل المدافع عن مصالح الاستثمار، وساعد في ذلك الانفصال للمواطن الإسرائيليّ عن أي واقع اقتصاديّ، ممَّا يجعله محاربًا نشطًا، مثل الجنديّ النازيّ، فالأسطورة المجرَّدة تعزل الإنسان عن مصالحه وذاته.

وقد ساعد العرب أنفسُهم على استمرار هذا الوضع بفشلهم النسبيّ في إلحاق ضربةٍ عنيفة تصيب الأسطورة الصهيونيّة.

ولن نستطيع من خلال هذه الدراسة تقديم حلٍّ تفصيليٍّ لمشكلة الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وإنَّما سنقترح إطارًا يتمثَّل في الدولة العلمانيَّة الحديثة، والتي تضمُّ الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين، وضمان الحقوق المدنيَّة والسياسيَّة لكلِّ الأقلِّيَّات. هذا الحلُّ الإنسانيُّ يتوجَّه إلى العنصر الفلسطينيِّ الأصيل، وإلى العنصر الإسرائيليِّ الدخيل، ويستبعد الادِّعاء بأنَّ اليهود يكوِّنون شعبًا واحدًا، ويستبعد أيضًا "الحقوقَ" المقدَّسة، و"حقَّ" يهود نيويورك أو جبال الهيمالايا أن يهاجروا إلى أرض الميعاد (فلسطين العربيّة)، كما يستبعد "حقَّ" إسرائيل في أن تستولي على الأرض العربيّة لتوطينهم فيها.

وداخل هذا الإطار يصبح على العرب أن يتعاملوا مع مسألة ثلاثةِ الملايين مواطنًا إسرائيليًّا، الذين يتحدَّثون ، العبريَّة والذين لا يعرفون وطنًا آخر، ولا يمكن أن يتحقَّق هذا الحلُّ الإنسانيُّ إلَّا عن طريق العرب وحدهم، فالتناقضات الداخليَّة في المجتمع الإسرائيليِّ، مهما بلغت من حدَّة، لن يمكنها إحداث التغيير المطلوب؛ لأنَّ البيئة الصهيونيّة للمجتمع الصهيونيّ كفيلة بإحباط كلِّ إمكانيَّات الرفض الحقيقيَّة، ولتحقيق هذا الحلِّ يجب على العرب أن يكشفوا عن العناصر العقلانيَّة الثوريَّة داخل المجتمع الإسرائيليّ، وفي صفوف يهود الشتات، ومحاورتها، وهو ما سمَّيته "بالحوار المسلَّح"، ولكن يجب أن يساند هذا الحوار القوّة العربيّةُ الضاغطة، والكفاح المسلَّح.

والحوار المقترح ليس دعوى للصلح مع الصهيونيّة، فأنا من المؤمنين بأنَّه لا سلام ولا حوار مع الأيديولوجيَّة   الصهيونيّة داخل إسرائيل أو خارجها؛ لأنَّها مبنيَّة على الحدِّ الأقصى من العنف الفكريّ والعقليّ، وليست دعوة للسلام المبنيِّ على الاستسلام، وهو سلام لم يؤدِّ إلَّا إلى احتلال لبنان وذبح الفلسطينيِّين في بيروت، بل هي دعوى لأن يقوم الإنسان العربيّ بدوره، ليُحرِّر نفسه من الهجمة العنصريَّة، الإمبرياليَّة/الصهيونيَّة، والذي يترتب عليه تحرير الإسرائيليِّين  أيضًا ويهود العالم.

 


الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
الأيدولوجية الصهيونية - الجزء الثاني
عبد الوهاب المسيري
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00