لم يزل علماء الاجتماع يعدُّون من أكبر أسباب النهوض والسقوط حالة الدين والعقيدة، قال الله تعالي: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِين، وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ} [النمل: 42 - 43]؛ أي صدَّها عن حصول العلم النافع عبادتها الشمس، فكانت بذلك الاعتقاد منصرفة عن الكمال العلميِّ والرشد الفكريّ واستكمال عناصر الحضارة الصحيحة.
وفي الإسلام امتزج الدين مع الشريعة فضبط الإسلام للأمَّة أحوال نظامها الاجتماعيّ في تصاريف الحياة كلِّها تكملة للنظام الدينيّ الذي هيَّأ أفراد الناس للاتِّحاد والمعاشرة، ثمَّ ألزم متَّبعي عقيدته وسلطانه أو متَّبعي سطانه فقط باتِّباع ما خطَّط لهم من قوانين المعاملات، فاقتضى ذلك لا محالة أن يكون هذا الدين دولة؛ لأنَّ التشريع يتطلَّب تنفيذ قوانينه، وذلك التنفيذ هو جماع معنى الدولة، وقد صرَّح به القرآن في مواضع كثيرة، وبيَّنه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بالفعل؛ من نصب الأمراء والقضاة ونحو ذلك؛ لأنَّ جلالة الدين لا تناسب استنجاده من ينفذه أو يدفع عنه. وهذا وصف امتاز به الإسلام عن بقيَّة الأديان.
الاعتدال والتوسُّط
الغلوُّ في الغالب يبتكره قادة الناس ذوو النفوس الطامحة إلى السيادة أو القيادة، والاعتدال هو الكمال، وهو إعطاء كلّ شيء حقّه من غير زيادة ولا نقصان، وهو ينشأ عن معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه ومعرفة حدودها وغاياتها ومنافعها ويعبَّر عن الاعتدال بالتوسُّط.
السماحة
هي سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادَّة، فهي وسط بين الشدَّة والتساهل، والأمانة التي وكِّلت إلى المسلمين هي أمانة إصلاح التفكير وإعلان الحقِّ بين الناس.
قال الحكيم: "الإنسان عقل تخدمه أعضاء"، فإصلاح المخدوم هو ملاك إصلاح خادمه، وإصلاح عقل الإنسان هو أساس إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغال بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلاميّ. وفي صحيح مسلم عن أبي عمرة الثقفيّ أنَّه قال: قلت : يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل آمنت بالله ثمَّ استقم"، فجمع له في قوله: "قل آمنت بالله" معاني صلاح الاعتقاد، وفي قوله: "استقم" معاني صلاح العمل.
1- إصلاح الاعتقاد: قد أحاط الإسلام إصلاح العقيدة ودوام إصلاحها بأمرين عظيمين هما: التفصيل والتعليل.
فالتفصيل كان بثلاثة أمور؛ أوَّلها تمام الإيضاح لسائر المسلمين، وأيضًا بإعلان فضائح الضالِّين في العقيدة على اختلاف ضلالهم والإغلاظ عليهم، وكذلك بسدِّ ذرائع الشرك واجتثاث عروقه، ولذلك نهى عن اتِّخاذ التماثيل في البيوت وأكَّد النهي عن اتِّخاذ القبور مساجد.
وأمَّا التعليل فكان باستدعاء العقول إلى الاستدلال على وجود الله وعلى صفاته التي دلَّ عليها تنزيهه، واستدعائها أيضًا إلى النظر في النفس وهو أصل الحكمة: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101]، {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون} [الذاريات: 21].
2- إصلاح التفكير: وإصلاح التفكير المراد هنا هو التفكير فيما يرجع إلى الشؤون في الحياة العاجلة والآجلة لتحصيل العلم بما يجب سلوكه للنجاح في الحياتين، فأعمال الإنسان جارية في الصلاح والفساد على حسب تفكيره؛ فالعقل للأعمال كمثابة قائد الجيش تجري أعمال جيشه علي مايريده، فإن أصاب انتصروا وإن أخطأ انهزموا.
وبهذا نستدلُّ علي أنَّ إصلاح التفكير من أهمِّ ما قصدته الشريعة الإسلاميَّة في إقامة نظام الاجتماع من طريق صلاح الأفراد، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والتذكُّر والتعقُّل والعلم والاعتبار، وأنَّ ذلك جريٌ على هذا المقصد؛ فإنَّ الذهول عن الحقائق والخطأ في إدراكها من أكبر المصائب في العاجل والآجل؛ لأنَّه يوقع صاحبه في مهواة الضلالة من حيث يتطلَّب الهدى والنجاة، أو يضيِّع عليه مدَّةً من نفيس عمره إلى أن يفيق من ضلاله.