أحكام الصوم والاعتكاف

مقدمة

إن الصوم مثل أية عبادة أخرى شرعه الله بهدف واحد هو تحقيق العبودية له وحده، وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، والصوم هو الركن الرابع من أركان الإسلام التي بني عليها، وهو امتناع عن كل ما تشتهيه النفس رغم وجوده، فهو طهارة للنفوس وبعد لها عن الوقوع في الرذائل.

الفصل الأول

الصيام وحكمته ومراحل مشروعيته

المبحث الأول:  تعريف الصيام لغة وشرعا:

الصيام لغة مصدر صام، وهو الإمساك والكف عن الشيء، وهو شرعا عند الأحناف: الإمساك عن أشياء مخصوصة، وهي الأكل والشرب والجماع، وشروطه الإسلام والتكليف والقدرة على الصوم، وعند المالكية: الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وميقوم مقامهما؛ كمن يتعاطى شيئا عن طريق الأنف، واللمس بشهوة.

وعند الشافعية: الصيام هو الإمساك عن المفطرات على وجه مخصوص، وشروط صحته هي: أن يكون الصائم مسلما مميزا، قادرا على الصوم، وأن يكون الإمساك عن المفطرات جميع النهار، وأن تكون النية قبل الفجر، أما الحنابلة: فعرفوا الصيام بأنه: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. والتعريف الذي نراه أن الصيام هو الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى المغرب مع النية بشروط خاصة.

المبحث الثاني: حكمة مشروعية الصوم:

إن للصوم ثلاث مراتب؛ الأولى: الإمساك عن المفطرات فقط، والثانية: الإمساك عن المفطرات مع صوم الجوارح عن ارتكاب المعاصي، والثالثة: هي أن يجمع بين المرتبتين الأولى والثانية.

ومن آثار الصوم: تربية ملكة الرحمة في النفس على الفقراء، والمساواة بين الغني والفقير، وتربية قوة الإرادة، وتهيئة النفوس لتقوى الله؛ وذلك بمراقبة الله وخشيته، والتي تؤهله لكل أعمال الخير، وتبعده عن الشر، فالصوم الحق هو مراقبة الله، أما مجرد الإمساك عن المفطرات بدون مراقبة الله؛ فلا تتكون به حقيقة الصوم الذي فرضه الله.

فوائد الصوم الصحية: يفيد في علاج اضطراب المعدة والأمعاء، وكذلك في تخفيف الوزن وأمراض القلب، ويفيد في علاج التهاب الكلى، ويرى  بعض الأطباء أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات.

المبحث الثالث: التدرج في فرض الصيام:

أولا: كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وتبعه الصحابة رضوان الله عليهم. ثانيا: لما هاجر الرسول إلى المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، فقال ﷺ: نحن أحق بموسى منكم، فصامه عليه الصلاة والسلام وأمر المسلمين بصيامه، ثالثا: ثم نزلت بعد ذلك آية الصوم: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ الآية [ البقرة: 183]، ولم يكن واجبا في أول الأمر.

رابعا: أصبح صوم رمضان واجبا، وبقي الإطعام في حق الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه، وقد فرض صوم رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة.

المبحث الرابع: الصوم في الإسلام والشرائع السابقة:

أولا: الصوم في الشرائع السابقة: الصوم عبادة قديمة لم تخل منه أمة من الأمم السابقة، واختلف العلماء في المراد بالأمم السابقة؛ فمنهم من يرى أنهم من لدن آدم إلى هذه الأمة، ومنهم من يرى  أنهم أهل الكتاب (وهم اليهود والنصارى)، ومنهم يرى أن المقصود بمن قبلنا النصارى فقط، والراجح أن المراد بمن قبلنا جميع الأمم السابقة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: 183].

مدة الصوم في الأمم السابقة:

اختلف العلماء على قولين؛ الأول: أن المفروض عليهم كان شهرا كاملا، والثاني: أنهم كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، والراجح أن الصوم كان مفروضا على الأمم السابقة شهرا كاملا، كما يدل حديث ابن عمر  أن النبي ﷺ قال: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم"، وكان وقت الصيام كما قال ابن كثير، إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من الليلة المقبلة.

ثانيا: الصوم في الإسلام:

وهو أن يصوم المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم، والصوم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله، والنصوص في فضل رمضان كثيرة، وفيه ليلة خير من ألف شهر. يقول النبي ﷺ: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولذلك فإن إفطار رمضان أو يوم فيه بدون عذر لا يقضي عنه صيام الدهر كله.


أحكام الصوم والاعتكاف
أحكام الصوم والاعتكاف
أبو سريع محمد عبد الهادي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00