هذا الكتاب محاولة جادة من الكاتب لدراسة الواقع المعاصر لهذه الأمة، ومحاولة لدراسة الصحوة الإسلامية وما تحمله من دلالات تاريخية، وكيف تصل بإذن الله إلى التمكين الذي وعد الله به المؤمنين. وقد حاول الكاتب أن يجيب على تساؤلات الشباب الذي يتطلع إلى تحقيق الإسلام في عالم الواقع: لماذا طالت المسيرة؟ لماذا تأخر التمكين؟ ما منهج الدعوة؟ ما الطريق الصحيح؟
أزمة العالم الإسلامي المعاصر من أصعب الأزمات التي مرت به في تاريخه، حتى إنه يمكن أن يطلق عليها مرحلة التيه. لقد كانت أزمة الردة - مثلا - أزمة حادة ولا شك، توشك أن تهدد الدولة الناشئة وتعوق حركتها وهي في مهدها. ولكن الناظر إلى السنن الربانية لم يشك في أن النصر سيكون للدولة المسلمة، وليس للمرتدين هنا أو هناك في أرجاء الجزيرة العربية.
كان إيمان المسلمين القوي من أبرز الدوافع التي جعلتهم ينتصرون في أزمة المرتدين، في بداية خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقد كان إيمان المسلمين بالحق الذي اعتنقوه أضعاف إيمان المرتدين الذين يتبعون الهوى والشهوات.
لم يكن خلاف المسلمين في فتنة عثمان رضي الله عنه من أجل الرياسة وحب الدنيا، ولكن كان خلافا على من يتولى الأمر ليمكن للإسلام في الأرض، وليس خلافا على الإسلام ذاته.
وعلى الرغم من أن وضع المسلمين في وقت الحروب الصليبية كان سيئا، ومليئا بالمعاصي والشتات والفرقة؛ إلا أن نور العقيدة ما زال متقدا في النفوس، حتى إذا جاء القادة الذين ردوا الناس إلى صوابهم جاء النصر حينئذ.
وفي الحروب الصليبية المعاصرة اختلف الأمر بالنسبة للمسلمين، وكان وضعهم العقدي والإيماني مختلفا، فمع عدم تربيتهم على العقيدة السليمة التي تؤمن بأن كلمة لا إله إلا الله قول وعمل، وثبات على الإيمان الحق، وبعد عن المعاصي وإعراض عن الشهوات المسيطرة على الحياة؛ كان الاحتمال الأكبر أن ينهاروا، ويسلموا أنفسهم للضياع.
ولن يخلص البشرية من أزمتها، ويحل لها ما عقدته من مشكلاتها في جاهليتها المعاصرة، إلا المنهج الرباني، الذي أنزله الله ليقوم الناس بالقسط. والقرآن هو السبب الرئيس الذي أعاد بناء أمة العرب تحت راية واحدة، بعد أن كانوا قبائل متناحرة؛ ذلك الكتاب العظيم الذي نزل ليعيد بناء البشرية على هدي الوحي الرباني. وأوسع موضوعات القرآن جميعا هو قضية لا إله إلا الله، فالتركيز على هذه القضية ليس سببه إنكار العرب لقضية التوحيد فقط، بل لأن قضية التوحيد هي المفتاح الذي يفتح القلوب البشرية للخير، وينشئ فيها الخير، ويربيها علي الخير، وينتج منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب، يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله !.
لماذا كان جيل الصحابة أفضل الأجيال إيمانا وتمسكا بالدين؟
يرجع ذلك لسبيين؛ الأول: نشأة الدين الجديد أعادت تركيب النفوس على صورة جديدة فأصبحت نفوسا جديدة بالفعل، مشحونة الطاقة نشطة الفاعلية، والثاني: أن التحديات التي تلقاها جيل النشأة هي أعنف التحديات وأشقها وأقساها، والتحديات تشحذ النفوس.
ولا يصح القول بأن الجيل الذي تربى على الإيمان الصحيح لن يتكرر (فهو مجرد ذكرى حلوة)؛ وذلك بسبب أن الإيمان الكامل، والتقوى المحض، التي تبعث القوة في حياة المسلمين، مستمدة بكاملها من القرآن والسنة، أي: من العنصرين الدائمين في حياة المسلمين، المحفوظين بقدر الله ومشيئته.
نحن في مرحلة الغربة الثانية، فمنهج الله ليس هو الذي يحكم حياة الناس، ومقتضى لا إله إلا الله غير مطبق على أرض الواقع، حتى وإن كان مليار من المسلمين يقولونها بأفواههم مرارا وتكرارا. وكل الآيات التي جاء فيها الأمر بالتوحيد والإخلاص متعلقة بتوجيه العبادة لله وحده دون شريك. فهي إذن ليست متعلقة بالاعتقاد وحده، وإنما هي متعلقة كذلك بسلوك معين مرتبط بالاعتقاد. فالعبادة سلوك واقعي.
وقد أنشأ الإسلام والقرآن من العرب تجمعا فريدا في التاريخ، لينشئ منهم أمة العقيدة التي استحقت من الله وصفها بهذا الوصف العظيم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [سورة آل عمران: 110].
والتجمع الفريد الذي يمثل أمة العقيدة، هو تجمع لا مثيل له في كل التجمعات القومية ولا الاشتراكية ولا الرأسمالية السابقة ولا اللاحقة، ولا في التجمعات التي قامت على أساس المذاهب الاجتماعية في العصر الحديث.
وكل الحضارات والدول التي كانت فيها عناصر من البشر من البيض والسود والأعراق المختلفة انتشر فيها التمييز العنصري، والاضطهاد واحتقار عنصر دون عنصر، إلا أمة الإسلام فمنذ نشأتها وهي تجمع الكل تحت رباط واحد وتؤلف بينهم تحت رابطة الأخوة والتكافل دون تفرقة أو تمييز، وكانت المؤاخاة التي حدثت في المدينة خير شاهد على ذلك.