- ذلك الجيل الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني". والذي استحق استحقاقا كاملا وصف الله سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [سورة آل عمران: 110].
إنه الجيل الذي فيه اللقاء بين المثال والواقع، فترجم مثاليات الإسلام إلى واقع، وارتفع بالواقع البشري إلى درجة المثال. والمثالية الواقعية، أو الواقعية المثالية من أبرز خصائص هذا الدين. فلا هو يضع مثلا روحانية عسيرة التطبيق، تهمل ضرورات الإنسان وواقعه المادي، وتشد الناس إلى أعلى شدا بلا هوادة فتعلقهم في الفضاء، كما تصنع الهندوكية والبوذية والرهبانية، ولا هو إذ يلتفت إلى مطالب الجسد وعالم المادة يحبس الإنسان في نطاق ضروراته، ويقعد به عن التحليق في الآفاق العليا التي يتحقق فيها المثال، بل هو يأخذ بهذه وتلك في آن واحد على توازن واتساق، ومن ثم تلتقي فيه المثالية التي لا تهمل الواقع، بالواقعية التي لا تهمل المثال، ويكون من نتائجها - في أعلى حالاتها - ذلك الجيل المتفرد في التاريخ. ونحن في حاجة ملحة لأن نتعرف على هذا الجيل، لنعرف مكان الأسوة لنا في واقعنا المعاصر، ولنقيس على ضوئه مدى قربنا أو بعدنا عن حقيقة الإسلام.
- ماذا يفعل القرآن في النفوس؟ هل يغير خامتها فيخرجها من بشريتها لتكون خلقا آخر؟ كلا! فقد نزل للبشر لا ليبدل فطرتهم؛ بل ليعيدهم إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها يوم خلق الإنسان {في أحسن تقويم} [سورة التين: 4]، {فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سورة الروم: 30].
أرأيت حين تمرر المغنطيس على قطعة من الحديد، أتراه يغير طبيعتها؟ كلا! ولكنه يعيد ترتيب ذراتها فتصبح شيئا آخر غير قطعة الحديد المبعثرة الذرات! تصبح كيانا جديدا له طاقة مغناطيسية كهربائية لم تكن له من قبل! وكذلك يفعل في نفوس البشر هذا الدين المنزل في كتاب الله؛ إنه يتخلل النفوس البشرية فيعيد ترتيب ذراتها، فتصبح قوى كونية وطاقات، بعد أن كانت مبعثرة من قبل، ضائعة في التيه.
- فأي شيء في هذا الكتاب العظيم هو مصدر ذلك السر الذي يحول الخامات المبعثرة الضائعة إلى طاقات؟ أهو نسقه اللغوي المعجز؟ أهو قوة بيانه؟ أهو وضوح معانيه؟ أهو حديثه عن اليوم الآخر وما فيه من مشاهد تهتز لها أوتار القلوب؟ أهو تشريعاته وتوجيهاته وتنظيماته؟ أهو قصصه وأمثاله وعبره؟ أهو تذكيره الدائم بعظمة الله جل جلاله وقدرته المعجزة التي لا تحدها حدود؟! إنه ولا شك كل ذلك؛ فكل حرف في هذا القرآن له دلالته في مكانه، وله جانبه من التأثير.
- ولكننا لا نكون مخطئين إن قلنا إن أوسع موضوعات القرآن جميعا هو موضوع الألوهية. هو قضية لا إله إلا الله. ولقد قلت في غير هذا المكان، إنه يخطر لنا لأول وهلة أن تركيز القرآن - وخاصة في السور المكية - على هذه القضية سببه أن القرآن كان يخاطب بادئ بدء قوما مشركين، يشركون مع الله آلهة أخرى، فكان من المناسب التركيز على قضية "لا إله إلا الله"؛ لتصلح عقائد أولئك المشركين . . ولكن استمرار القرآن في الحديث عن هذه القضية في السور المدنية، وفي الكلام الموجه للمؤمنين خاصة، وهم الذين آمنوا واستقر الإيمان في نفوسهم حتى أنشئوا أمة مسلمة ودولة مسلمة، وجيشا مسلما يقاتل في سبيل الله، قاطع الدلالة على أن القضية لها أهميتها الذاتية، حتى لو كان المخاطبون مؤمنين! فالتركيز عليها ليس ناشئا من إنكار المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، وإنما هو ناشئ من أنها هي المفتاح الذي يفتح القلوب البشرية للخير، وينشئ فيها الخير، ويربيها علي الخير، وينتج منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب، يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله!.
- والإخلاص المطلوب في العبادة هو براءة هذه العبادة من الشرك، وتلك هي حقيقة التوحيد. وهو أمر لازم لا للارتقاء في مراتب الكمالات، بل لحصول الإيمان بادئ ذي بدء؛ أما الارتقاء في مراتب الكمالات بعد ذلك فله مجالات أخرى نتحدث عن بعضها في حياة ذلك الجيل الأول، وهي التي ورد فيها الندب والتحبيب، لا الأمر والالزام.
- فما العبادة المطلوبة من العباد، وما كيفية البراءة من الشرك؟
العبادة كما بينها الله في كتابه المنزل تشمل أمورا ثلاثة:
- الاعتقاد الجازم بأن الله واحد في ذاته وفي أسمائه وصفاته .
- والتوجه إليه وحده بالشعائر التعبدية التي افترضها على عباده.
-والالتزام بما أنزل الله من التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح والإباحة والمنع.
- هذه العبادة - على هذه الصورة - هي التي تخرج الناس من الشرك وتجعلهم مسلمين. وهذا هو الإخلاص في حده الأدنى، الذي لا يقبل الله من الناس أقل منه، ولا تقوم بغيره حقيقة الإسلام في داخل النفوس ولا في واقع الحياة، (أما الدرجات العليا فمرهونة بمقدار الطاعات التي يتقدم بها العباد إلى الله، ومقدار الحرص على الالتزام بما أقر به القلب واللسان).
أما الاعتقاد بأن هناك شركاء لله في الخلق أو التدبير أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو النفع أو الضر . . إلخ، أو التوجه لغير الله بالشعائر التعبدية، أو التشريع بغير ما أنزل الله، أو الرضى بغير ما أنزل الله؛ فهو الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام.
- إنه ليس هناك إلا مصدران اثنان للأحكام: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [سورة المائدة: 50].
فإن لم يتخذ الناس أحكامهم من عند الله - أي من القرآن والسنة، ومن اجتهاد الفقهاء الملتزم بالكتاب والسنة لا يشذ عنهما ولا يخرج على أحكامهما - فإنهم عندئذ يتخذون أحكامهم من الجاهلية، ويخرجون بذلك من الإسلام.