كان الغزو الفكري بطيء الحركة ثابت المفعول - موجها إلى كل ركن من أركان الحياة الإسلامية؛ لزحزحة هذه الأمة زحزحة كاملة عن الإسلام (مع المحافظة على المظاهر الخاوية للإسلام منعا من إثارة الشكوك). وكان لبروز الزعامات العلمانية وخلو الساحة من القيادة الدينية كان أثر في نجاح عملية التغريب، وإزالة مظاهر الإسلام، ومحاربته، وأبرزهم سعد زغلول، فقد قام بتحويل قضية الجهاد الإسلامي ضد المستعمر الإنجليزي إلى قضية "الوطن"، ثم أصبحت القضية بعد ذلك قضية سعد زغلول!
لقد كان علماء الدين دائما في تاريخ هذه الأمة هم قادتها وموجهوها، يفزع إليهم الناس في الشدائد ويلجئون إليهم في كل وقت يقع فيه الظلم عليهم، وكان العلماء يضطهدون من قبل ذوي السلطان أحيانا، ويلقون في السجون أحيانا. ولكن بعض العلماء لم يقم بالدور الديني الواجب عليه، ويتساءل الكاتب: هل قام محمد عبده مثلا وتلميذه الشيخ رشيد رضا ببيان التوحيد على هذه الصورة الربانية التي عرفها السلف الصالح من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وطبقوها في واقع حياتهم؟ أم أن الأمر كان على العكس من ذلك فحدث تطويع الأمة "للواقع" المخالف للإسلام على أنه "ضرورة" لا بأس بالأخذ بها وترتب عليه تنويم "العزائم" التي يمكن أن تتجه إلى الجهاد الحقيقي لرد الواقع إلى الإسلام؟!
إن من أخطر الأمور التي حدثت للأمة الإسلامية هو استيراد المبادئ من خارج الإسلام، من خلال استيراد النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خارج الإسلام. وتقصد خطة دعاة الغزو الفكري من الصليبيين واليهود إلى تحقيق أهداف أبرزها: انسلاخ المسلمين انسلاخا كاملا من كل مقومات دينهم، في عالم التصور وعالم السلوك، في الأفكار والأخلاق والنظم والعادات، فلا يبقى لهم من شخصيتهم المتميزة شيء. أما عملاء هؤلاء ومساعدوهم من أبناء جلدتنا فمنهم من باع نفسه للشيطان مقابل الأجر الذي يحصل عليه، سواء كان الأجر سلطانا في الأرض، أو شهرة وذيوع صيت، أو مالا حراما، ومنهم النظيف الذي لا يتناول أجرا على عمله، ولكنه مهزوم داخليا، فهو ينطلق من هذه الهزيمة، يحسب في غفلة القهر الداخلي أنه بدعوته إلى تقليد الغرب يقدم للمسلمين طريق الخلاص مما هم فيه.
وقد انخدع المستضعفون من المسلمين بهذه الدعاوى الباطلة، من باب ميل المغلوب إلى تقليد الغالب ، كما أن التقليد أسهل على المغلوب المستضعف؛ لأنه يوفر عليه عناء الاختيار، ولأن الانتقاء والاختيار لا يقوم به في الحقيقة العبد المستضعف.
والارتباط بين التقدم العلمي والمادي، وبين الانسلاخ من الدين والأخلاق، إنما هو أكذوبة ضخمة لم يكن لها وجود إلا في نفوس العبيد، الذين استعبدهم الغزو الفكري، وأنساهم ربهم، فأنساهم أنفسهم. وعلى الرغم مما سبق، ومن الدعوات التي تبناها العلمانيون للإصلاح الفكري والعلمي؛ فإن التخلف العلمي والمادي ظل باقيا على نطاق واسع رغم كل الجهود التي بذلت، وإن الفساد الخلقي والتحلل الديني اكتسح العالم الإسلامي بحيث أصبح هو السمة البارزة فيه.
ومن الوسائل الشيطانية التي تسلطت على الأمة قضية المرأة وما تبعها من الفساد الخلقي، فعن طريق السينما الخليعة والإذاعة الخليعة والشواطئ العارية والصحافة العارية، قد صرفوا الناس تدريجيا عن الصلاة والصوم والزكاة والحج، ثم قيل للناس: لا بأس عليكم وإن لم تصلوا وإن لم تصوموا، فأنتم مسلمون ما دمتم تقولون: لا إله إلا الله.
وجاءت أمريكا لتزيل الاستعمار القديم وتأخذ هي مكانه في المنطقة الإسلامية، وتتسلم بدلا منه راية الحرب الصليبية اليهودية ضد الإسلام. وتميز عهدها بتغييرات جذرية في اللعبة السياسية، فقد استخدمت لحرب الإسلام في المنطقة العربية عنصرين جديدين هما: الانقلابات العسكرية، والاشتراكية. وما حدث في الدول العربية من انقلابات عسكرية تحت مسمى الثورات، أو ثورات التحرر من الإقطاع عنا ببعيد.
وكذلك النظم الاشتراكية التي أوصلت الاقتصاد إلى حالة من الانهيار الحاد، الذي وصل أكثر من مرة إلى حافة الإفلاس، وعولج في كل مرة بالقروض التي تؤدي في النهاية إلى مزيد من الانهيار.
ويرى الكاتب أن الغرب لا يملك في وقته الحاضر من وسائل حرب الإسلام إلا الفساد الخلقي ولكن الاشتراكية تملك؛ لأنها توهم الناس بأنها عقيدة، وللعقيدة دائما سحر في نفوس الناس ولو كانت باطلة. فالاشتراكية تقول للناس بلسان الحال أو بلسان المقال: اتركوا عقيدتكم وخذوا هذه "العقيدة" فهي العقيدة الصحيحة.