انقسم الناس - قبل الصحوة الإسلامية إلى فريقين متباعدين:
فريق المتدينين وعلى رأسه أصحاب الثقافة الإسلامية من خريجي الأزهر، ويشمل كذلك كبار السن من سكان المدينة الذين حافظوا على تقاليدهم الإسلامية. وفريق آخر اتجه إلى الحضارة الغربية على أنها طريق الخلاص من كل ما أصاب العالم الإسلامي من أمراض وعلى رأسها التخلف الحضاري.
مفاجآت الصحوة الإسلامية للمخططين في الداخل والخارج:
1 . المفاجأة الأولى: أن الذين يحملون الدعوى إلى الإسلام في هذه المرة هم الأفندية وليسوا المشايخ.
2 . المفاجأة الثانية: أن هؤلاء الدعاة من الأفندية لا يقفون موقف الجمود من الحضارة الغربية فيرفضوها جملة ويأبوا أن يأخذوا أي شيء منها، بل إنهم يعلنون أن فيها أشياء نافعة ينبغي أخذها والاستفادة منها كالتقدم العلمي والتقدم التكنولوجي والروح العملية وعبقرية التنظيم.
3 . المفاجأة الثالثة: أن التخلف الحضاري لم يكن سببه الإسلام . . إنما سببه البعد عن الإسلام والانحراف عن صورته الصحيحة.
4 . المفاجأة الرابعة: انتشار الدعوة انتشارا ذريعا في صفوف المثقفين من الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين وغيرهم من ذوي الثقافات الحديثة. إن الدعاة الجدد جاءوا يقولون للناس: "إن ما أصاب المسلمين من التخلف والجمود والضعف والتأخر في جميع الميادين ومن طلاب الجامعة في شتى التخصصات"!
5 . المفاجأة المذهلة: والتي كانت أعنف من كل ذلك كانت دخول الفدائيين المسلمين ساحة الحرب في فلسطين عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين ميلاديا (1948م)!!
وقد اتفقت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية على هدف واحد مشترك، كما التقتا في قرار واحد مشترك، أنه لا بد من إبادة هذه الجماعة المسلمة ليستتب الأمر للدولة اليهودية وللصليبية في ذات الوقت، ولم يعد الأمر يحتمل الخطأ أو البطء.
خطر الإفساد الخلقي والغزو الفكري
قررت الصليبية الصهيونية أنه لا بد من توجيه ضربة ثانية حاسمة للحركة الإسلامية تقضي عليها القضاء الأخير، ومن ثم تعاونت الصهيونية مع أمريكا حسب مقتضيات الوضع الجديد لتوجيه تلك الضربة، وكانت الأداة التي اختيرت لذلك هي جمال عبد الناصر، والانقلابات العسكرية.
كان العمل الذي قام به حسن البنا عملا ضخما يشبه أن يكون إعادة بناء أمة . . كان عمله هو إعادة الإسلام في نفوس معتنقيه إلى منهج حياة وعمل. إن معركة الصحوة الإسلامية في حقيقتها ليست معركة محلية، كما أنها ليست معركة سريعة تتم في جولة أو بضع جولات. إنها معركة تشارك فيها وتشرف عليها وتوجهها الصليبية العالمية، والصهيونية العالمية، بالتحالف مع كل أعداء الإسلام! إن الحكم الإسلامي لم يتلق سندا من أعداء الإسلام في الخارج - لا من روسيا ولا من أمريكا، لا من الصليبية ولا من الصهيونية، ولا من معسكر الشرك كله - فلا بد أن يكون سنده من الداخل.
إن القوة والضعف - في لعبة الدبلوماسية - لا علاقة لهما بالحق والباطل! ولا علاقة لهما بالكثرة والقلة! ومن ثم فالجماعات الإسلامية - الداخلة في التنظيمات السياسية لأعداء الإسلام - هي الخاسرة في لعبة الدبلوماسية، والأعداء هم الكاسبون!
ما المقصود بالتربية؟!
هي عملية متراكمة من الخبرات التي تعمل على بناء شخصية الإنسان، وترسيخ ثوابت العقيدة لديه. ولا بد من وجود زمن للتربية، هو الذي يكفل ترسيخ هذه الصفات في نفوس الفئة المختارة التي يقع عليها عبء المواجهة مع الأعداء، وهو زمن لا يستطيع بشر أن يحدده على وجه الدقة لأنه غيب، ولأن فيه جملة متغيرات تتغير النتيجة في كل مرة بحسب نوعها ومقدارها.
وهذه المتغيرات هي:
فالتربية الإسلامية التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه جعلت منهم أمة منظمة تنظيما دقيقا على أساس إنساني لا على أساس آلي. ومع النظام والانضباط والنظر في النتائج رباهم الإسلام على النفس الطويل والرؤية البعيدة، فهناك هدف بعيد لكل فرد، وهناك أهداف ممتدة لمجموع الأمة. فأما الفرد فقد رباه الإسلام على أن يعمل لليوم الآخر.
وأما الأمة فقد رباها الإسلام على أن مهمتها لا تنحصر في تحقيق كيانها فقط، وإنما هي في الخروج لدعوة البشرية كلها إلى النور الرباني. إن المطلوب في التربية هو تربية جماعة تكون جنودا ملتزمين للقائد، وتكون في الوقت نفسه "قيادات" تحمل المسئولية بعد ذهاب القائد. وكل قائد لا بد أن يذهب في يوم من الأيام؛ وذلك هو المنهج النبوي.
ومن أسباب تمزق العمل الإسلامي وتفرقه عدم وجود قيادة كبيرة ترتاح النفوس إليها وتتبعها طائعة، بدافع الإعجاب والحب والتقدير والتوقير. والقيادة المطلوبة للعمل الإسلامي في هذه الظروف هي القيادة التي تستطيع أن تعطي الشحنة التربوية كاملة، وفي الوقت ذاته تقول للناس: كفوا أيديكم، فيطيعون! ولن تكون هناك بطبيعة الحال قيادة على مستوى القيادة النبوية المتفردة في التاريخ البشري كله، ولكن "المنهج النبوي" قد جعل للأسوة، وجعل للتطبيق العملي على مستوى البشر، وهذا معنى قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [سورة الأحزاب: 21].
وإذا تم الانصراف عن تعاطي العلم والثقافة بحجة أنه علم جاهلي وثقافة جاهلية، فسيكون هذا من أسلحة الأعداء التي يستخدمونها ضدنا! وسيرتبط الجهل بالدعوة في حس الناس، وسيرتبط العلم بالإعراض عن الدين والانسلاخ منه! ومهمة هذه الأمة هي هداية البشرية إلى المنهج الحق، قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [سورة البقرة: 143].
ويرى الكاتب أن جاهلية المجتمع مردها إلى أن هناك مظلة جاهلية تظلل المجتمع هي الحكم بغير ما أنزل الله. وهي مظلة تظل كل الناس الواقفين تحتها، بما في ذلك الدعاة إلى الله!
والمنهج الصحيح هو بيان حقائق الإسلام للناس، فهم في حاجة دائمة إلى هذا البيان في كل جيل من أجيالهم، وفي الأجيال المعاصرة خاصة، تلك التي أصبح الإسلام غريبا بينها من شدة جهلها بحقائقه.
والإسلام يستخدم السيف - بأمر من الله سبحانه وتعالى - ولكن لا ليفرض العقيدة على الناس، بل ليزيل الأنظمة الجاهلية التي تحجب - بوجودها - الحق عن الناس، فإذا أزيلت الأنظمة الجاهلية بقي الناس أحرارا لا تفرض عليهم العقيدة الإسلامية، كما بقي الأقباط في مصر، والنصارى في سوريا ولبنان، والمجوس في الهند، لم يكرههم أحد على اعتناق عقيدة الإسلام.
التطرف
قد يقع بالفعل تطرف من بعض الشباب، أو بعض الجماعات القائمة بالعمل في الساحة الإسلامية. ولكن حجمه أقل بكثير جدا مما هول المهولون الذين يرمون الساحة كلها بالتطرف لأمر يراد! إن الذين يحاربون ما يسمونه تطرفا بحجة أنه تطرف، وأنه ينبغي الرجوع إلى القصد والاعتدال؛ لا يحاربونه في الحقيقة لهذا السبب، ولا يقصدون رده إلى الاعتدال الحقيقي بميزان الله الحق؛ وإنما يحاربونه لأنه يشجع الشباب على الإصرار على مطالبة الحكام بتحكيم شريعة الله، وعدم قبول أي حل سوى تحكيم شريعة الله!
والمتسبب الأول في نشر التطرف هو الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله، وتقوم بتعذيب المطالبين بتحكيم شريعة الله تعذيبا وحشيا لا مثيل له في التاريخ.
والمعركة بين الإسلام وأعدائه ليست معركة سريعة خاطفة، ولكنها معركة طويلة شاقة قد تستغرق عدة أجيال. ولم تلتفت الشعوب إلى المؤامرة الكبرى التي صاغتها دول الاستعمار جميعا ضد كيانها الأصيل، ضد الإسلام، ولم تلتفت إلى عملية "التسميم" التي قامت بها دول الاستعمار في الأرض الإسلامية قبل أن تنسحب منها. ولم ينسحب الاستعمار حتى ترك القيادات العلمانية تقود مرافق الحياة كلها في العالم الإسلامي، وتقوم بتحضيره، نعم، ولكن على أسس غير إسلامية! ولم تنسحب حتى كانت قد حررت المرأة المسلمة! حررتها من دينها وأخلاقها وتقاليدها، وأخرجتها إلى الشارع فتنة لنفسها وللرجل على السواء! ولم تنسحب حتى كانت قد بذرت في الأرض الإسلامية الفوضى الجنسية، والتحلل الخلقي، والتمزق الأسري، والضياع الروحي، والتمزق النفسي، والقلق، والانتحار، والأمراض العصبية، والخمر، والجريمة والفردية الجانحة والاستهتار بالقيم، والبحث عن المتاع المادي ، والاستغراق فيه.
وهناك عنصر مشترك بين المتنافسين على حكم العالم جميعا قديما وحديثا، ينسون عنده صراعاتهم ومنافساتهم، ويقفون صفا واحدا متساندا متعاضدا - ذلك حين يواجهون الإسلام. فبريطانيا احتلت مصر عام ألف وثمانمئة واثنين وثمانين ميلاديا (1882م)، وطردت النفوذ السياسي الفرنسي الذي كان قائما في مصر من أيام محمد علي إلى أيام الخديوي إسماعيل، ولكنها لم تتعرض قط للمؤسسات التبشيرية الفرنسية، ولا للمؤسسات الثقافية، ولا لمعهد الآثار الفرعونية الذي تركه نابليون في مصر؛ لأنه هنا ينسى الإنجليز عداوتهم وخصومتهم لفرنسا، ويتذكرون أن كلا منهما يعمل للقضاء على العدو المشترك فيتساندان!
وقد وصل اليهود إلى قلب المنطقة الإسلامية، وأقاموا دولتهم في فلسطين، فكانت أمريكا أول دولة اعترفت بالدولة اليهودية، وبعدها بعشر دقائق اعترفت روسيا بالدولة القائمة صراحة على أساس ديني! وأنشئت الدولة اليهودية في مؤامرة صليبية صهيونية مشتركة؛ لتكون بمثابة الشوكة في ظهر العرب والمسلمين. ولقد قامت بدورها بالفعل، وما تزال قائمة.
واليهود اليوم هم المسيطرون في الأرض، وهم الذين يرسمون سياسة العالم ، وهم الذين يخططون ضد الإسلام والمسلمين، وبصفة خاصة في المنطقة المحيطة بإسرائيل. وأما المنهج القائم على عبادة الله وحده، والمستمد من عبادة الله وحده فهو المنهج الذي يقدمه الإسلام، وهو الذي يملك المسلمون أن يهدوه للبشرية ويهدوها إليه. حين يستقيمون هم على الطريق.