شُروط النَّهضة

مُقدّمة

بدأ المؤلف هذا الكتاب بأنشودة رمزية قدم من خلالها نصائح ممزوجة للشباب المكافح الذي يحمل هم أمته ووطنه، ويقاوم الاستعمار، ويبني مجدا حقيقيا في ظل تحديات كبرى. ثم عالج المؤلف في كتاب شروط النهضة مشكلة الاستعمار وبناء الدولة وفقا للنموذج الإسلامي . فلقد كان دور الشعوب الإسلامية أمام الزحف الاستعماري خلال القرن الماضي وحتى الربع الأول من هذا القرن دورا بطوليا فقط؛ لكنه لم يلتفت إلى حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله داخل البلاد.


إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها. والقرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ ، في أن يصفهم القرآن بهذا الوصف؛ لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة، الخالية من كل عنصر خلاق أو فكر عميق. لقد ظل العالم الإسلامي خارج التاريخ دهرا طويلا كأن لم يكن له هدف، وكأنه مريض استسلم للمرض، وفقد شعوره بالألم حتى بات كأنه يؤلف جزءا من كيانه. ثم ظهرت صحوة خافتة هي بالنسبة للعالم الإسلامي: النهضة.


والعالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من منتجات الحضارة (فهو عالة على غيره)، ولم يهدف يوما بناء حضارته الخاصة به، ومكونات الحضارة إنما هي الإنسان والأرض والوقت.
وتمثل الأفكار في العالم الإسلامي لدى المؤلف البدايات لحل مشكلة الدولة؛ حيث يرى أن هناك ثلاثة عناصر للحضارة وهي الإنسان، والمادة (التراب)، والزمن (الوقت). فهو مشغول نظريا بإرساء معالم الحضارة كأساس قاعدي للدولة في مجتمعاتنا. وهذا يعني أن بناء أي دولة مشروط بهذه العناصر الثلاثة. والحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر. التاريخ يعيد نفسه

التاريخ يُعيد نفسه 

فللتاريخ دورة وتسلسلا، فهو تارة يسجل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة... وهو تارة أخرى تظل ضعيفة. فإذا ما أخذنا هذه الملاحظة بعين الاعتبار، فلابد أن ندرك أوضاعنا.. وأن نقف على عوامل الانحطاط والضعف.. وما نملك من أسباب التقدم.

يتحدث كتاب شروط النهضة من تأليف الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي عن قضايا التاريخ والحاضر والمستقبل... فيبدأ بأنشودة رمزية لكل منها، ثم يحاول أن يرسم لنا دور الأبطال في السياسة والفكرة الوثنية، بعدها ينقلنا من التكديس إلى البناء، ويحدثنا عن شروط الدورة الخالدة وعناصرها وتوجيهها ومبدئها الأخلاقي وذوقها الجمالي في بناء الحضارة، كما يناقش وحلل موضوع الاستعمار والشعوب المستعمرة والمعامل الاستعماري والأهم معامل القابلية للاستعمار.

مشكلة الفكر العربي المعاصر

 تتمثل مشكلة الفكر العربي المعاصر في عدم بلورته وتطويره لمفهوم، أو لمفاهيم الدولة خارج الأطر الموروثة عن الغرب، أو الموروثة عن العصر الذهبي للإسلام البعيد، والذي لم يجد في وقتنا من يتطابق معه معرفيا، وأخلاقيا وروحيا داخل المجتمعات العربية. مفاهيم الدولة المختلف حولها لا توجد إلا في النماذج الناجزة مسبقا. والتشبث بهذا النوع من الفكر الماضوي يفصح عن سمة خاصة بالثقافة السائدة عندنا، وهي أن الذي يفكر فينا هو الماضي ونماذجه، وليس الحاضر في بحثه عن صيغ جديدة للمجتمع والدولة.

الناتج الحضاري = إنسان + تراب + وقت

 يرى المؤلف: إن (كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت). وبناء على هذا التحليل لتركيب الحضارة يستنتج ابن نبي أن مشكلة النهضة الحضارية ترتبط بثلاث مشكلات متشابكة هي: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب (المادة)، ومشكلة الزمان (الوقت).

1 - المشكلة الأولى يرى أن أية حضارة تبدأ من الإنسان؛ أما المادة فمهما كان مقدارها وقيمتها تبقى مجرد كم مكدس لا يمكن أن يثمر حضارة إلا بالاستعمال الصحيح لها من قبل الإنسان الحي. وهنا تبدو ضرورة التغيير النفسي ليصبح الإنسان غنيا بأفكاره لا بأشيائه.

2 - أما التراب أو (المادة) فالمشكلة هنا لا تتحدد بندرة المادة أو وفرتها، بل بكيفية التعاطي معها. حيث يشير ابن نبي إلى أنه في القرن التاسع عشر كانت مكانة الدول والشعوب تقاس بمقدار مصانعها وأساطيلها ومدافعها ورصيدها من الذهب والفضة؛ غير أن القرن العشرين شهد تحولًا نوعيًا في قياس القوة، ولم يعد المعيار شيئيًا بل فكريًا.

3 - أما المشكلة الثالثة الزمان (الوقت) فهي تتمثل في الزمان بوصفه ذاك النهر القديم الذي يعبر العالم بصمت، حتى انه لا يُنتبه إليه، بل تتناساه الحضارات في لحظة غفلتها... حتى إذا وقعت الواقعة وأصبح الوقت شرطًا ضروريًا للمحافظة على البقاء، أو تحصيل الثراء، أو النعم الفانية تناهى إلى سمع الناس صوت الساعات الهاربة.

الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل

(الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل ... فهو يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباءً، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، يفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير " ثروة "، وفي مجال آخر يتحول عدمًا. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها لما أنجز فيه من أعمال).

كما يولي المؤلف أهمية كبيرة لفكرة التوجيه، فيقول: (وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه في نواح ثلاث أولًا: توجيه الثقافة، ثانيًا: توجيه العمل، ثالثًا: توجيه رأس المال)... وبالتالي فإن فكرة التوجيه تعني له (قوة في الأساس وتوافقًا في السير ووحدة في الهدف، وتجنب الإسراف في الجهد وفى الوقت).

إن المشاكل التي تحيط بالإنسان تختلف باختلاف بيئته، فالإنسانية لا تعاني مشكلة واحدة، بل مشاكل متنوعة، تبعا لتنوع مراحل التاريخ.

هنالك صنفان من الناس، الصنف الأول وهو الذي يسكن المدينة، إما متعطل لا يعمل شيئا، وإما أنه يبيع بعض العقاقير والحاجات، وإما أنه "شاويش" في إدارة استعمارية، وبعض آخر نجده محاميا أو صيدليا أو قاضيا، وقليل ما هم.

والصنف الثاني وهو الذي يسكن البادية مترحلًا بلا مواش، فلاحا بلا محراث ولا أرض.

والفرق بين هذين الصنفين هو أن ساكن الحضر رجل قليل، تتمثل فيه القِلة في كل شيء. والثاني رجل الفطرة الذي يرضى من الأشياء بالعدم، ولكن رب عدم خير من القليل، إذ أن رجل المدينة الذي رضي بالقليل من الأشياء، قد تغلغلت في نفسه دواعي الضعف والخضوع والانحطاط التي قضت على المدنيات المتعاقبة على بلاده، فهو يحمل روح الهزيمة بين جوانحه، فقد عاش حياته دائما في منحدر المدينة إذ هو دائما في منتصف طريق. وفي منتصف فكرة، وفي منتصف تطور، لا يعرف كيف يصل إلى هدف، إذ هو ليس "نقطة الانطلاق" في التاريخ كرجل الفطرة؛ ولا " نقطة الانتهاء " كرجل الحضارة، بل هو " نقطة التعليق " في التطور، وفي التاريخ، وفي الحضارة.


شروط النهضة
شروط النهضة
مالك بن نبي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00