أزعج الملكَ حُسَيْنَ اتِّهامُه بتحذير جولدا مائير قُرابة نهاية سبتمبر عامَ ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثلاثةٍ وسبعين ميلاديًّا (١٩٧٣م) بشأن الهجوم العربيٌّ المخطَّط على إسرائيل. وأنكر الملكُ ذلك، وأصرَّ على أنَّه فوجئ باندلاع الحرب، وأنَّ انضمام الأردن إلى الدول العربيّة في حرب عام 1973م ليس محلَّ شكٍّ. واستمرَّ لقاء آفي شليم مع الملكِ حُسَينٍ لمدَّة ستٍّ وثلاثينَ ساعةً وسجَّله شليم في ستٍّ وثلاثينَ صفحةً. وتوضِّح هذه المقابلةُ جانبًا كبيرًا من معتقدات الملك بشأن إسرائيل وكافَّة الزعماء الإسرائيليِّين، وعلاقاتِه المضطربةِ بمنظمةِ التحريرِ الفلسطينيّة ومختلِف الحكَّام العرب، والسياساتِ الدوليَّةِ والمراحلِ الرئيسة في نضاله من أجل تحقيق السلام.
في محاولةٍ للفهم، يتعقَّب شليم تحوُّلاتِ أفكارِ سعيدٍ واستشرَافَه لمستقبل فلسطينَ/ إسرائيلَ، فقد رأى كَيْف تجنَّب المتشدِّدين من أبناءِ جلدته، والذين أصرُّوا على الحقِّ الخالص للفلسطينيِّين على كامل أرض فلسطين التاريخيَّة، وقد أخذ نقدُ سعيد، المناهضُ للاستعمار الإسرائيليِّ في الاعتبار اضطهادَ اليهود في أوروبا والتأثيرَ القويَّ للأفكار الصهيونيَّة على الضمير الأوروبيِّ، وكان يدرك دائمًا أنَّ الهولوكوست تعني أنَّه لا يمكن الحكم على إسرائيل وفقًا للمعايير ذاتِها التي يُحكَمُ بها على الدول الأخرى، لكنَّه لم يستطع إدراكَ السبب وراء وجوب حرمان الفلسطينيِّين من حقوقِهم الطبيعيَّة، بتُهمة ارتكاب جرائم ضدّ اليهود، وهم منها بَراءٌ، وبالتالي ربَطَ تعاطُفَه مع معاناة اليهود بمطالبة إسرائيل بالاعتراف بالإثم الذي اقترفته في حقِّ الفلسطينيِّين. وفي مناظرةٍ عامَّةٍ مع سَلمان رُشدي في أواخر عامِ ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وثمانين ميلاديًّا (١٩٨٠م)، من خلال عبارته التي أصبحت ذائعة الصِّيت ، وصَفَ سعيدٌ الفلسطينيِّين بأنَّهم "ضحايا الضحايا".
تنوَّعت المناقشات التي سبقت صياغة الإعلان في أشبيلية بصورة كبيرة، ولكنْ كان هناك إجماعٌ كاملٌ حول نقطة واحدة وهي: التواصل بين طَرَفَيِ الصراع. وسواء شئنا أم أبينا؛ فإنَّ قدَر الإسرائيليِّين والفلسطينيِّين ببساطةٍ هو العيش معًا جنبًا إلى جنب على نفس قطعة الأرض الصغيرة. ويترتَّب على ذلك أنَّ ما هو جيِّد لطرفٍ هو جيِّد للطرفِ الآخَر.
ولم تكن الأفكار المطروحة موجَّهةً ضدّ أيِّ طرف، ولكنَّها كانت مصمِّمةً على مساعدة كِلا الطرفين للخروج من دوَّامة الدمارِ، وإراقةِ الدماء، والدمارِ المتبادَل. وقد طالب جميعُ المشاركين في الندوة بدَور أوروبيٍّ أكثرَ فاعِلِيَّةً لتسوية النزاع بين إسرائيل والفلسطينيِّين، فأوروبا لديها الواجبُ الأخلاقيُّ، والاهتمامُ المباشر، والقدرةُ المادِّيَّة، على المساهمة في حلِّ هذا الصراع، كما أنَّ القوى الأوروبيَّةَ تسبَّبت في الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين.
في عدد صحيفة الجارديان الصادرِ في الثاني والعشرين من فبراير عامَ ألفينِ واثنينِ ميلاديًّا (٢٠٠٢م) أنَّه على الرَّغم من أنَّه لم يخضع لعمليَّة زرع مخٍّ حسبما يتذكَّر؛ فإنَّ وجهةَ نظرِه حول الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط وأطرافِها قد تغيَّرت بصورةٍ جِذريَّة خلالَ العامَين الماضيَيْن.
إنَّ روايةَ بيني الجديدةَ عن التاريخِ الحديث للصراع تشترك بصورةٍ أكبرَ مع الإعلاميَّةِ أكثرَ من اشتراكها مع المضمون التاريخيِّ الحقيقيّ. وتتشابه وجهات النظر هذه في حقيقة الأمر مع معظمِ وجهات النظر القوميَّة الأخرى المتعلِّقةِ بالتاريخ في سطحيَّتِها، وانتقائيَّتِها، وخدمتِها للمصالح الشخصيَّة. وبكلِّ أسفٍ فإنَّ المقالةَ التي نُشِرت في صحيفة "الجارديان" لم تُظهِر أيَّةَ موضوعيَّةٍ سابقةٍ لبيني أو أيَّ استخدامٍ قويٍّ للأدلَّة. فبدلًا من استخدام الأدلَّة نجد أنفسنا وجهًا لوجهٍ أمام منولوجٍ خَرِفٍ ومثيرٍ للشفقة يفيض بالازدراء والكراهية للعرب بشكلٍ عامٍّ، والفلسطينيِّين على وجه الخصوص.
إنَّ إسرائيل توصَف غالبًا من خلال مؤيِّديها بأنَّها جزيرةٌ للديمقراطيَّةِ في قلب بحرٍ من الاستبداد. ولكنَّ نفسَ هؤلاء المؤيِّدين، في غمرة حماسهم الملتهب لقضيَّة يدافعون عنها يقومون أحيانا بانتهاك أحد المبادئ الديمقراطيَّةِ الأكثر جوهريَّةً؛ إنَّه مبدأ حرِّيَّة التعبير عن الرأي. وهم بينما يقتلون حرِّيَّة التعبيرِ عن الرأي باعتبارها قيمةً عالميَّةً؛ فإنَّهم يحاولون في أغلب الأحيان قمعَ هذا الحقِّ حينما يتعلَّق الأمرُ بإسرائيل ومعاملتها للفلسطينيِّين. وتكون نتيجةُ ذلك اغتيالَ الحوار. إنَّ المدافعين عن إسرائيل غالبًا ما يتَّهِمون أولئك الذين ينتقدون الدولة اليهوديّة بأنَّهم يفتقرون إلى التوازن، ولكنَّ الإصرار على التوازن في أمرٍ يتعلَّق بفاعلٍ دوليٍّ غيرِ متوازنٍ مثلِ إسرائيلَ يثيرُ الكثيرَ من التساؤلات أكثر ممَّا يقدِّم من إجاباتٍ.