كانت سياسة نتنياهو التي تعتمد على الكلمات العنيفة وعدم القيام بأيِّ شيءٍ كفيلةً بإهدار كلِّ شيءٍ تمَّ تحقيقه نحو عمليَّة السلام؛ فقد قام بتخريب علاقته مع الأردن دون سبب واضح ممَّا دفع الملكَ حُسَينَ، على نحوٍ غير معتادٍ منه، إلى شنِّ هجومٍ عنيفٍ عليه بشكلٍ شخصيٍّ وانفعاليٍّ. حتَّى أنَّه في أحد الاجتماعات بالبيت الأبيض، اتَّهم الملكُ نتنياهو بتبديد آمال السلام لدى العرب والإسرائيليِّين على حدٍّ سواءٍ برفضه احترامَ الاتِّفاقيَّات، وعدمِ نضجِه، وافتقارِه إلى الحكم الصائب.
وقد أدّى تغلُّب إيهود باراك على نتنياهو في انتخابات عامِ ألفٍ وتِسعِمِئةٍ وتِسعةٍ وتسعينَ ميلاديًّا (١٩٩٩م)، إلى ارتفاع الآمال إلى عنان السماء في إسرائيل، ولدى الفلسطينيِّين والإدارة الأمريكيَّة. وبينما لم يُحرِز نتنياهو أيَّ تقدُّم، فقد وعد باراك بحلِّ جميع المشكلات. ولكنْ رفَض باراك تنفيذَ ما التزم به نتنياهو بشأن المزيد من الانسحاب من الضِّفَّة الغربيَّة. وقد أدَّى ذلك إلى تقويض ثقةِ الفلسطينيِّين فيه.
بعد أسبوعين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أصدر الرئيس بوش بيانًا هو الأقوى من نوعه تعهَّد فيه بقيام دولةٍ فلسطينيَّة مستقلَّة، عاصمتُها القدس الشرقيَّة. وكانت خطط إدارة بوش تهدف إلى إعادة كامل الضِّفَّة الغربيَّة تقريبًا إلى السيطرة الفلسطينيَّة.
وتمثَّل ردُّ فعل شارون على مشروع السلام الأمريكيِّ في ثورةِ غضبٍ عارمةٍ عكست خوفه العميق من أنَّ الولاياتِ المتَّحدة قد تتخلَّى عن التحالف الاستراتيجيِّ مع إسرائيل من أجل إقامة تحالف مع الدول العربيَّة والفلسطينيِّين.
وأدَّت التحرُّكات العدوانيَّة الإسرائيليَّة ضدّ السلطةِ الفلسطينيّة إلى وضع إسرائيل على طريق الصدام مع الولايات المتَّحدة ، التي ندَّدت بالأعمال الإسرائيليّة بعباراتٍ واضحةٍ لا لبسَ فيها على نحوٍ غير معهود، كما طالبت إسرائيلَ بالانسحاب من مدن الضِّفَّة الغربيَّة فورًا دون قيد أو شرط. كما تلقّى شارون تحذيرًا يقول بأنَّ الحرب ضدّ الفلسطينيِّين تهدِّد التحالف الهشَّ ضدّ نظام طالبان وأسامة بن لادن.
وقد أثبتت تجربة إدارة بوش مرّةً أخرى أنَّ الاتِّفاقَ الطوعيَّ بين الطرفين أمر بعيد المنال. وأنَّ السبيلَ الوحيدَ الممكنَ للمضيِّ قُدُمًا هو التوصُّل إلى حلٍّ مفروضٍ من الخارج، فالولاياتُ المتَّحدةُ وحدَها هي القادرةُ على كسر جمود السياسة الإسرائيليَّة.
إنَّ الدبلوماسيَّة بالنسبة لآرييل شارون هي امتدادٌ للحرب بوسائلَ أخرى. وقد تقلَّب الزعيم الإسرائيليُّ في العديد من المهن كجنديٍّ وسياسيّ ، لكنَّه لم يفكِّر في نفسه أبدًا كدبلوماسيٍّ؛ فاللقبُ الذي اختاره لسيرته الذاتيَّة هو "رجلُ الحرب".
كان آرييل شارون طوال حياته في مواجهة مع العرب تصل إلى أقصى مدًى لها، وكانت السمات المميِّزة لحياته المهنيَّةِ هي الكذبَ، والعنفَ الوحشيَّ تُجاه المدنيِّين العرب، والتفضيلَ الدائم للقوّة على الدبلوماسيَّة لحلِّ المشاكل السياسيَّة. وبعد الانتقال من ساحة القتال إلى الساحة السياسيَّةِ، ظلَّ شارون بطلَ الحلولِ العنيفةِ بلا مُنازِع.
تُعَدُّ فلسطينُ والعراقُ المشكِلَتَيْن الأبرزَ في المشهد السياسيِّ الوَعْرِ في الشرق الأوسط؛ فالصلةُ بين فلسطينَ والعراقِ تعود على الأقلِّ إلى حربِ الخليج الأولى.
وقد قدَّمت العراقُ ثلاثةَ أسبابٍ رئيسةٍ لغزو العراق؛ فالسببُ الأوَّلُ هو حيازة أسلحة الدمار الشامل، والسببُ الثاني كان الارتباطَ المزعوم بين حزب البعث والقاعدة، والسببُ الثالثُ يقوم على أساسٍ أخلاقيٍّ رفيع: فقد كان صدَّام حُسَين وحشًا في صورة إنسان على رأس نظام ديكتاتوريٍّ شرِّير.
ولم يساهم الغزو الأنجلو - أمريكيّ للعراق في حلِّ المشكلة الفلسطينيّة أو في تعزيز الديمقراطيَّة في العالم العربيّ. وكان من الأفضل للولايات المتَّحدة وبريطانيا لكي تقوما بتعزيز الديمقراطيَّة، أن تحاوِلا وضعَ نهايةٍ للاحتلال الإسرائيليِّ للأراضي العربيّة بدلًا من أن يبدؤوا احتلالًا جديدًا خاصًّا بهم. فلقد دمَّروا نظام البعث في بغداد خلال ثلاثةِ أسابيعَ، ولكنَّهم عجزوا عن إقناع حكومة الليكود بالتوقُّف عن بناء مستوطنة واحدة خلال ثلاث سنوات.
بدأت حرب إسرائيل على غزَّة في نهاية عامِ ألفين وثمانيةٍ ميلاديًّا (٢٠٠٨م)، واستمرَّت لمدَّة اثنين وعشرين يومًا وأودت بحياة أكثر من ألفٍ وثلاثِمِئةِ فلسطينيٍّ (١٣٠٠)، وثلاثةَ عشرَ إسرائيليًّا (١٣).
وأدَّت أربعةُ عقودٍ من السيطرةِ الإسرائيليّةِ إلى إلحاق أضرار لا تُحصى بالاقتصاد في قطاع غزَّة. ومع حشر ذلك العدد الهائل من السكان من لاجئي عام ألفٍ وتسعِمِئةٍ وثمانيةٍ وأربعين ميلاديًّا (١٩٤٨م) في شريطٍ صغير من الأرض بدون أيَّة بنية تحتيَّةٍ أو مصادرَ طبيعيَّة، ولم تكن طموحاتُ غزَّة مشرِقةً أبدًا، وكان ينطبق عليها مصطلح: "عدم التنمية المتعمَّد".
وتُعَدُّ غزَّةُ حالةً كلاسيكيَّةً للاستغلال الاستعماريِّ في عصر ما بعد الاستعمار. وقد بدأ بناء المستوطناتِ الإسرائيليّةِ المدنيَّةِ في الأراضي العربيّة المحتلَّة مباشرةً في أعقاب حرب الأيَّام الستَّة، وهي مستوطنات غيرُ شرعيَّةٍ وتمثِّل عقبةً على طريق السلام؛ فهي تمثِّل أداةَ استغلالٍ ورمزًا للاحتلال بوجهه القبيح. وقد توالت الغارات على قطاعِ غزَّةَ وحماسَ دون رحمة. ورغم كلِّ هذا القتلِ والدمار الذي ابتَلَتْ به إسرائيل مقاتلي حماس؛ فقد صمدوا وواصلوا إطلاق الصواريخ.