الإيمان بالله يتضمّن أربع قضايا؛ وهي: أنَّ الله موجود بلا موجد، وأنَّه ربُّ العالمين، وأنَّه مالك الكون والمتصرّف فيه، وأنَّه الإله المعبود وحده، لا يعبد معه غيره.
القضيّة الأولى: وجود الله: الاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهيّة التي تدرك بـالحدس النفسيّ، قبل أن تقبل بالدليل العقليّ، فهي لا تحتاج إلى دليل، وإن كانت الأدلّة على صحّتها ماثلة في كلّ شيء.
القضيّة الثانية: من قضايا الإيمان بالله، وهي: أن تعتقد أنَّ الله وحده هو الذي أوجد هذه العوالم كلّها؛ عالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الأفلاك، العوالم الظاهرة لنا، والمغيّبة عنَّا، أوجدها من العدم، ووضع لها هذه النواميس العجيبة، التي لم نكتشف إلى الآن في الكيمياء والفيزياء والطبّ والفلك إلّا القليل منها، وهو وحده الذي يعلم دقيقها وجليلها.
القضيّة الثالثة: إنَّ الله هو مالك الكون، يتصرّف فيه تصرُّف المالك الحرّ بملكه، يحيي ويُميت، وهل تقدر أن تدفع عن نفسك الموت، وتمنحها في الدنيا الخلود؟ وهو الذي يمرض ويشفي، فهل تقدر أن تشفي من حرمه الله الشفاء؟ وهو الذي يمنح المال ويبتلي بالفقر، ويرسل السيول، ويصيب بالجفاف.
القضيّة الرابعة: وهي أنَّه وحده الإله المعبود. إذا اعترفت بأنَّ الله موجود، وأنَّه ربّ العالمين، وأنَّه مالك الملك، فلا تعبد معه غيره، ولا تقابل غيره بأيّ صورة من صور العبادة.
توحيد الألوهيّة
الإيمان بأن الله ربّ العالمين، وأنَّه مالك الكون، عمل من أعمال القلب، وعقيدة يعتقدها الإنسان. أمَّا الإيمان بأنَّه الإله، فلا يقتصر على الاعتقاد، بل يتعدّاه إلى السلوك والعمل. وإلى القيام بالعبادة.
فما هي العبادة إذن؟
والجواب أنّ العبادة ليست مجرَّد الذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن؛ فالعبادة لا تقتصر على هذا بحال، بل إنَّ كلّ عمل نافع، لم يمنعه الشرع، يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله تعالى، يكون عبادة.
وما معنى روح العبادة؟ والعبادة لها روح ولها جسد، فروحها العقيدة التي دفعت إليها، والغاية التي عملت من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان، وحركات الجسم. فالصلاة مثلًا حركات وألفاظ، وقيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وذكر وتسبيح، ولكنّ هذا كلّه جسد الصلاة، فإن لم يكن الدافع إليه توحيدًا صحيحًا، وعقيدة سليمة، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله، وطلب رضاه؛ كانت الصلاة جسدًا ميّتًا لا روح فيه.
وما هو الأساس في توحيد الألوهيّة؟
الأساس أن نعتقد أنَّ الله وحده هو النافع وهو الضارّ، فالله خالق كلّ شيء، وهو الذي أوجد العوالم، وبثّ فيها من كلّ شيء. وأعطانا العقول وقال لنا: فكّروا بعقولكم في هذه الأشياء التي خلقتها، وانظروا ماذا في السموات والأرض.
التحليل والتحريم لله وحده
وليس لأحد أن يقول برأيه: هذا حلال وهذا حرام. وليس لأحد أن يوجب أمرًا لم يوجبه الله تعالى، أو يحرّم أمرًا لم يحرّمه الله، ومن أعطى حقّ التحليل والتحريم لغير الله يكون قد عبده من دونه، أو شاركه معه في عبادته.
حبّ الله وخشية الله
حبّ الله والخشية منه هما من أسس التوحيد، وهما روح العبادة, وحبّ الله الذي يحسّه المؤمن هو حبٌّ مطلق غير مقيّد ولا محدود، والإنسان يخشى كثيرًا من المخلوقات؛ فهو يخشى النار المشتعلة، والوحش المفترس، والسمّ المميت، والظالم القويّ. ولكنَّها خشية محدودة مقيّدة، غايتها البعد عن الضرر الكامن في المخوف، أو الناشئ عنه. فإذا أمن الضرر ذهب من نفسه الخوف، وأمّا خوف الله تعالى فمطلق غير مقيّد ولا محدود.
ما هي آيات الصفات؟ لقد وصف ربّنا نفسه في القرآن بألفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معانٍ أرضيّة، ومقاصد بشريّة، مع أنَّ الله ليس كمثله شيء، وهو الربّ الخالق، تعالى عن أن يشبه المخلوقين. ولا يمكن أن تفهم هذه الألفاظ حين إطلاقها على الله، بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين إطلاقها على المخلوق.
وما هو المحكم والمتشابه؟ القرآن فيه آيات محكمات، واضحة المعنى، صريحة اللفظ، وآيات وردت متشابهات، وهي التي لا يتّضح المعنى المراد منها تمامًا بل تتنوّع أفهام الناس لها، وتتشابه تفسيراتها حتى تتعسّر أو تتعذّر معرفة المراد منها، وآيات الصفات من هذا النوع، وعلى المؤمن ألَّا يطيل الغوص في معناها، ولا يتتبّعها فيجمعها، ليفتن الناس بالبحث المتعمِّق فيها.
وما هو المقصد الصحيح للعبادة؟ أن يكون الباعث عليها، والمقصود بها رضا الله عزَّ وجلَّ، فلا نقوم بها من أجل المال، ولا للجاه، ولا لنيل إعجاب الناس، ولا نتّخذها سلَّمًا إلى متع الدنيا، ولا نريد بها الشهرة بالصلاح، وهذا المقصد الصحيح يسمَّى الإخلاص، وما يداخله من المقاصد الأخرى يدعى الرياء، والذي يحدّد المقصد من العمل هو النيّة.
حقيقة توحيد الألوهيّة
توحيد الألوهية هو القسم الرابع والقسم الأخصّ من الإيمان بالله وهو أن نعتقد أنَّ النفع والضرر كلّه من الله وحده، فلا تطلب النفع إلّا منه، إمَّا عن طريق السنن التي وضعها لهذا الكون المسمّاة بقوانين الطبيعة، وإمّا منه تعالى بالدعاء، تدعوه وحده، لا تدعو غيره، ولا تدعوه مع غيره، ولا تتّخذ إليه وسيطًا، ولا تستعين إلَّا به أو بالأسباب التي جعلها طريقًا للنفع، مع ملاحظة أنَّه هو النافع لا مجرّد السبب، وأن تخصّه بالحبّ المطلق الدافع إلى الطاعة المطلقة، والخشية الدافعة إلى اجتناب المحرّمات، وأن تخصّه بالتعظيم المطلق، وبكلّ ما يدلّ عليه من قول وعمل، وأن تقصد رضاه وحده، ولا تقصد بعبادتك الدنيا وأهلها.
ما هو البحث العلميّ, أو إعمال العقل للتدبّر والتفكر؟
أعطانا الله العقول، وأمرنا بالنظر في أسرار الوجود، وفي سننه العجيبة، وقوانينه التي أوجدها فيه، وكان علينا امتثال أمر الله، وكأنّ دراسة العلوم الطبيعيّة، واكتشاف أسرار الوجود عبادة. بشرط ألَّا تقف عند معرفة القانون، بل تفكّر في الإله العظيم الذي أوجده، فتزداد بهذا الفكر إيمانًا بالله، وإخلاصًا في عبادته، وشرطه الآخر هو أن تستعمل هذه الأسرار فيما ينفع الناس، ويرضي الله تعالى، لا فيما يضرّهم ويؤذيهم، ويسبّب في الأرض الفساد.
وما هي علاقة الإيمان بالعمل؟
الإيمان لا ينفكّ عن العمل؛ لأنَّ العمل نتيجة له، وثمرة من ثمراته، وهو مظهره الذي يظهر به للناس. ولذلك قرن الله الإيمان بالعمل الصالح.
هل الإيمان يزيد وينقص؟
نعم الإيمان يزيد وينقص, فيزيد بالعمل الصالح, وينقص بالمعصية, فالإيمان مقرون بالعمل الصالح، يزيد بازديادها، وهذا هو الحقّ الذي وردت به النصوص القاطعة، قال تعالى: {واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ... فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا ... وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا}.
هل ترك العمل يكفر الإنسان؟
العلماء من أهل السنّة متَّفقون على أنَّ مجرَّد ارتكاب المحرّم من غير إنكار لحرمته، وترك الواجب من غير إنكار لوجوبه، ولا استخفاف به، يعرّض صاحبه لعذاب الآخرة لكنَّه لا يكفّر صاحبه، ولا يخلّده في النار.
ما معنى أن يكون المسلم بين الخوف والرجاء؟
معناه هو أن يكون المؤمن بين الخوف من عقاب الله، والرجاء لعفوه، يذكر أنَّ الله سريع الحساب وأنَّه شديد العقاب، فيغلب عليه الخوف، ويذكر أنَّه عفوٌّ رحيم، وأنَّه أرحم الراحمين، فيغلب عليه الرجاء، فإن ملأ قلبه الخوف وحده، يكون قد يئس من رحمة الله: {إنَّه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القوم الكافرون}. وإن ملأ قلبه الرجاء وحده، يكون قد أمن مكر الله.
فما هو التوكُّل؟ وما حقيقته؟
التوكُّل هو أن يتَّخذ المرء الأسباب كلَّها، ثمَّ يسأل الله تحقيق النتائج. قيِّد الناقة وتوكّل على الله في حفظها، واقرأ دروسك كلّها وتوكَّل على الله، واسأله النجاح في الامتحان. هذا هو التوكُّل الحقيقيّ، ليس التوكُّل، في إهمال الأسباب، وتعطيل سنن الله في الكون، ولا في نسيان أنَّ الله هو النافع الضار وابتغاء النفع حقيقة من سواه.
ما هي حقيقة الشكر؟
حقيقته أن يكون العبد راضيًا عن الله، مهما منعه أو أعطاه، فيتحققّ بصفة الشكر. قال تعالى: {ومن شكر فإنَّما يشكر لنفسه ... وسيجزي الله الشاكرين}.
فما هي حقيقة الصبر؟
المسلم بين نعمتين؛ إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن مسَّه ضرّ فصبر كان له أجر، فلا يعدل أجر الغنيّ الشاكر، أو يزيد عليه، إلَّا أجر الفقير الصابر. قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}. والصبر نوعان هما: مصاعب ومصائب لا بدّ منها، فإمَّا أن تداويها بالصبر فتنال الأجر، وإمَّا أن تثور عليها، فتزيد ثورتك من عذابك، ولا تدفع عنك ما بك. هذا هو النوع الأوّل من الصبر؛ الصبر على المصائب. والنوع الثاني هو الصبر عن المعاصي؛ صبر الشابّ الذي يرى العورات البادية ونفسه تميل إليها، فيغضّ بصره من خوف الله عنها، ويعرف سبيل اللذّات المحرّمة، فيمنع نفسه عن سلوكها، على رغبته فيها.
ما معنى الانقياد لحكم الشرع؟
معناه الاحتكام إلى الشرع، والعمل بحكمه، والرضا به، والاطمئنان إليه، هذا هو شأن المؤمنين المصدّقين حقًّا بصحّة هذا الدين.
وما معنى التوبة والاستغفار؟
التوبة هي ترك للسيِّئ ورجوع إلى الحسن، أمّا الاستغفار فهو طلب الغفران من الله، وقد أمر الشرع به، وحثَّ عليه: قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}.