وقد سلَّط الكاتب الضوء على جانب في الفكر الصهيونيِّ لم يُلْقَ عليه الضوء بما فيه الكفاية، وهو أنَّه ينطلق من الإيمان بأنَّ معاداة الساميَّة (أيْ معاداة اليهود واليهوديَّة) هو إحدى ثوابت النفس البشريَّة التي لا تتغيَّر ولا تتحوَّل مهما تغيَّرت الظروف والأزمِنة والأمكِنة، وهذا أمر ليس بمستغرب؛ فالصهيونيَّة ابنة عصرِها؛ أي أوروبا في القرن التاسع عشرَ، وهو عصر "الإمبرياليَّة" الذي أفرز الفكرَ العِرقيَّ العُنصريَّ والفكرَ النازيَّ، والفكرُ الصهيونيُّ هو أحد الإفرازات الكريهة لهذا العصر.
ولا يختلف الموقف الصهيونيُّ من اليهود في أساسيَّاته عن موقف المعادين لليهود، فكِلا الموقِفَين يَصدُر عن الإيمان بأنَّ اليهود شعبٌ عضويٌّ له عبقريَّتُه الخاصَّة، وأنَّ ثمَّة جوهرًا يهوديًّا هو الذي يميِّز اليهوديَّ عن غيرِه من البشر، وأنَّ هذا الجوهرَ لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان؛ فاليهود دائمًا يهود.
ويرى الفريقان أنَّ اليهود شعب عضويٌّ لا يمكن أن يهدأ له بالٌ إلَّا بالاستقرار في الأرض التي يرتبط بها برباط أزليٍّ عضويٍّ، ومن هنا يرفض المعادون لليهود، وكذلك الصهاينة، الكفاحَ من أجل إعطاء اليهود حقوقَهم السياسيَّة والمدنيَّة الكاملة في أوطانهم، وبالتالي فلا بدَّ من "هجرة" اليهود إلى فلسطين أو "طردهم" إليها .
إذا كان اليهود يشكِّلون في رأي الصهاينة كُلًّا عُضويًّا يعبَّر عنه في الإنجليزيَّة بكلمة "جوريط" فإنَّهم مترابطون ترابطًا عُضويًّا لا فرق فيه بين الكلِّ والجزء، ولهذا يتحدَّث الصهاينة عن "العبقريَّةِ اليهوديَّة " باعتبارها تعبيرًا بالجزء عن الكلِّ، كما يرون أنَّ الهجوم على أيَّة جماعةٍ يهوديَّة هو هجومٌ على الشعب اليهوديِّ بأسره بغضِّ النظر عن الظروف التاريخيَّة، ويتبنَّى أعداءُ اليهود النظرةَ نفسَها.
تبنَّى الصهاينةُ كثيرًا من مقولات المعادين لليهود في الغرب، وكثيرًا من صورهم الإدراكيَّة النمطيَّة، وتزخر الكتابات الصهيونيَّة بالحديث عن الشخصيَّةِ اليهوديَّةِ المريضةِ غير الطبيعيَّةِ والهامشيَّة وغير المُنتِجة والتي لا تجيد إلَّا العملَ في التجارة.
لا يقلُّ عداءُ الصهاينة لليهوديَّة عن عدائهم لليهود؛ فقد رفضوا العقيدة اليهوديَّة وحاولوا علمَنَتَها من الداخل.
ما هي أزمةُ الصهيونيَّة؟
نستخدم مصطلح "أزمة الصهيونيَّة" للإشارة إلى المشاكل التي تواجهها الصهيونيَّةُ كعقيدةٍ تستند إليها الدولة الصهيونيَّة، وتدَّعي لنفسها الشرعيَّة على أساسها، وتؤسِّس علاقَتها بيهود العالم والعالم الغربيِّ من خلالها، كما نستخدم عبارة "الأزمة البنيويَّة للصهيونيَّة " للإشارة إلى طبيعة الأزمة الصهيونيَّة وهي أزمة لصيقة ببِنية الصهيونيَّة نفسِها، فالمواجهة مع السكان الأصليِّين ليست كما يظنُّ البعضُ مسألةً عرضيَّةً، وإنَّما هي نتيجةٌ حتميَّةٌ وملازِمة لتَحقُّق المشروع الصهيونيِّ على الأرض الفلسطينيَّة.
ومع هذا ولضرورات تحليليَّة سنقسِّم أوجُهَ هذه الأزمةِ إلى خمسةِ أقسامٍ :
وقد توصَّل الكاتب إلى الصيغة الصهيونيَّة الأساسِيَّة الشاملةِ التي تحتوي على العناصر الأساسِيَّة المكوِّنةِ لتعريف الصهيونيَّةِ بغضِّ النظر عن الديباجات والاعتذارِيَّات المستخدمة التي تشكِّل الأساسَ الكامن للإجماع الصهيونيّ، وتتلخَّصُ فيما يلي: