قد وضَّح الكاتب في هذا الجزء من الكتاب وتكلَّم عن أهمِّ الأفكار والظواهر الغربيَّة العامَّة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونيَّة، والقاسم المشترك بينها أنَّها كلَّها منفصلةٌ عن القيمة، وأذهَبُ إلى أنَّنا لو تأمَّلنا علاقة الصهيونيَّة بالنَّموذج الحضاريِّ الغربيِّ والحداثة المنفصلة عن القيمة؛ لأدركنا أنَّها إحدى إفرازات الحضارة الغربيَّة وليست انحرافًا عنها كما يدَّعي البعض.
وتحدَّث الكاتب عن المفارقات التاريخيَّة التي منها أنَّ الثورةَ الرأسماليَّة التي أدَّت إلى ظهورِ المسألة اليهوديَّة هي التي أدَّت أيضًا إلى ظهور الحلِّ الصهيونيِّ، فقد أدَّت هذه الثورة إلى السيطرة المتزايدة من قِبَل الإنسان على الموارد الطبيعيَّة، وأصبح من الممكن للإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان في يسرٍ وسهولةٍ حتَّى تحوَّلت الدنيا بأسرها إلى مجرَّد "قريةٍ عالميّة".
وقد تحدَّث المفكِّرُ الصهيونيُّ الروسيُّ "ليوبنسكر" عن حلِّه للمسألة اليهوديَّة بالمصطلح الاستعماريّ نفسه إذ يقول :
"يتوجَّب علينا أن نرسل اليهود غيرَ المندمجين والفائضين وهم غير المنتِجين في المصطلح الصهيونيِّ إلى مكانٍ آخر".
والفكر الصهيونيُّ لا يختلف عن الفكر الغربيِّ إلَّا في التفاصيل؛ فالدولة اليهوديَّة هي الإطار الذي سيُعبِّر الشعبُ العضويُّ المنبوذ (أي المادّةُ البشريَّةُ التي سيتمُّ نقلها) عن هُوِيَّته من خلاله، وتكتسب الدولة في الفكر الصهيونيّ دلالةً أخرى هي فكرة الدولة الراعية الغربيَّة، فقد أدرك الصهاينة من اليهود في مرحلة "هرتزل" أنَّه لن يتأتَّى لهم تحقيق مشروعهم القوميِّ إلَّا من داخل مشروعٍ استعماريٍّ غربيٍّ.
وقد لخَّص الكاتب الأفكار الأساسيَّة للفكر العنصريِّ الغربيِّ فيما يلي:
وقد وضَّح الكاتبُ أنَّ الفكرَ الصهيونيَّ مثلُه مثلُ الفكر النازيِّ؛ ترجمةٌ للرؤية "الداروينيَّة"؛ فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهوديَّة المطلقة التي تجُبُّ حقوقَ الآخرين ، كما أنَّهم جاءوا إلى فلسطين ممثِّلين للحضارة الأوروبيَّة ويحملون عِبءَ الرجل الأبيض، وهم نظرًا لقوَّتهم العسكريَّة يملكون مقدرةً أعلى على البقاء، أيْ أنَّهم جاءوا من الغرب مسلَّحين بمدفعيَّة أيديولوجيَّةٍ وعسكريَّة داروينيَّة علمانيّة ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الداروينيِّ فذبحوا الفلسطينيِّين وهدموا قراهم واستولَوا على أراضيهم، وهي أمورٌ شرعيَّةٌ تمامًا من منظورٍ داروينيٍّ علمانيّ، بل وواجبة.