البابُ الثاني

الجذورُ الغربيَّةُ للفكرِ الصهيونيّ

قد وضَّح الكاتب في هذا الجزء من الكتاب وتكلَّم عن أهمِّ الأفكار والظواهر الغربيَّة العامَّة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونيَّة، والقاسم المشترك بينها أنَّها كلَّها منفصلةٌ عن القيمة، وأذهَبُ إلى أنَّنا لو تأمَّلنا علاقة الصهيونيَّة بالنَّموذج الحضاريِّ الغربيِّ والحداثة المنفصلة عن القيمة؛ لأدركنا أنَّها إحدى إفرازات الحضارة الغربيَّة وليست انحرافًا عنها كما يدَّعي البعض.

  1. ظهور العلمانيّة الشاملة التي حوَّلت العالم إلى مادَّة استعماليَّة .
  2. ظهور الإمبرياليَّة في بداية الأمر كرؤيةٍ معرفيَّة رأت العالم باعتباره مادَّةٍ استعماليَّةٍ يوظِّفها القويُّ لحسابه.
  3. تحوُّلُ الإمبرياليَّة الغربيَّة إلى قوَّة عسكريَّة  وسياسيَّة عالميَّة (بمعنى أنَّ ساحَتها العالمُ بأسره) تُجَيِّش الجيوش وتُوظِّف العالمَ في خدمة الشعوب الغربيَّة .
  4. ظهورُ الفكرِ العنصريِّ المنفصل عن القيمة وهيمنتِه على قطاعات كبيرة في المجتمعات الغربيَّة وظهور معاداة اليهود الحديثة التي ارتبطت تمامًا بتصاعد معدَّلات العلمانيّة الشاملة والعنصريَّة .
  5. ظهور "النيتشويَّة " و"الداروينيَّة" كفلسفاتٍ مهيمِنةٍ ومُصاحِبةٍ للرؤية العلمانيّة الإمبرياليَّة.
  6. شيوعُ الرؤيةِ الألفيَّة الاسترجاعيَّة والتفسيرات الحرفيَّة للعهد القديم والتي ابتعدت عن القيم الأخلاقيَّة المسيحيَّة وأحلَّت محلَّها بعضَ الأساطير المتجرِّدةِ عن القيمة والتي استُخدِمت كديباجات لتبرير الاستعمار الإحلاليّ  في الغرب.
  7. كما تأثَّر الصهاينة بأفكارٍ أخرى امتصُّوها من الحضارة الغربيَّة مثلِ فكرة حركة الاستنارة والبرجماتيَّة.

وتحدَّث الكاتب عن المفارقات التاريخيَّة التي منها أنَّ الثورةَ الرأسماليَّة التي أدَّت إلى ظهورِ المسألة اليهوديَّة هي التي أدَّت أيضًا إلى ظهور الحلِّ الصهيونيِّ، فقد أدَّت هذه الثورة إلى السيطرة المتزايدة من قِبَل الإنسان على الموارد الطبيعيَّة، وأصبح من الممكن للإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان في يسرٍ وسهولةٍ حتَّى تحوَّلت الدنيا بأسرها إلى مجرَّد "قريةٍ عالميّة".

وقد تحدَّث المفكِّرُ الصهيونيُّ الروسيُّ "ليوبنسكر" عن حلِّه للمسألة اليهوديَّة بالمصطلح الاستعماريّ نفسه إذ يقول :

"يتوجَّب علينا أن نرسل اليهود غيرَ المندمجين والفائضين وهم غير المنتِجين في المصطلح الصهيونيِّ إلى مكانٍ آخر".

والفكر الصهيونيُّ لا يختلف عن الفكر الغربيِّ إلَّا في التفاصيل؛ فالدولة اليهوديَّة  هي الإطار الذي سيُعبِّر الشعبُ العضويُّ المنبوذ (أي المادّةُ البشريَّةُ التي سيتمُّ نقلها) عن هُوِيَّته من خلاله، وتكتسب الدولة في الفكر الصهيونيّ  دلالةً أخرى هي فكرة الدولة الراعية الغربيَّة، فقد أدرك الصهاينة من اليهود في مرحلة "هرتزل" أنَّه لن يتأتَّى لهم تحقيق مشروعهم القوميِّ إلَّا من داخل مشروعٍ استعماريٍّ غربيٍّ.

وقد لخَّص الكاتب الأفكار الأساسيَّة للفكر العنصريِّ الغربيِّ فيما يلي:

  • الحضاراتُ غير الغربيَّة أدنى بكثير من الحضارة الغربيَّة.
  • الشعوبُ غير الغربيَّة تختلف عرقيًّا عن الشعوب الغربيَّة، وهذا الاختلاف وراثيٌّ .
  • ولأنَّ الحضارةَ والعرق هما الشيءُ نفسُه؛ فإنَّ التخلُّفَ الحضاريَّ أمرٌ وراثيٌّ وبالتالي حتميّ.

وقد وضَّح الكاتبُ أنَّ الفكرَ الصهيونيَّ مثلُه مثلُ الفكر النازيِّ؛ ترجمةٌ للرؤية "الداروينيَّة"؛ فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهوديَّة المطلقة التي تجُبُّ حقوقَ الآخرين ، كما أنَّهم جاءوا إلى فلسطين ممثِّلين للحضارة الأوروبيَّة ويحملون عِبءَ الرجل الأبيض، وهم نظرًا لقوَّتهم العسكريَّة يملكون مقدرةً أعلى على البقاء، أيْ أنَّهم جاءوا من الغرب مسلَّحين بمدفعيَّة أيديولوجيَّةٍ وعسكريَّة داروينيَّة علمانيّة ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الداروينيِّ فذبحوا الفلسطينيِّين وهدموا قراهم واستولَوا على أراضيهم، وهي أمورٌ شرعيَّةٌ تمامًا من منظورٍ داروينيٍّ علمانيّ، بل وواجبة.


تاريخ الفكر الصهيوني
تاريخ الفكر الصهيوني
عبد الوهاب المسيري
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00