بغية الإنسان في وظائف رمضان

المقدمة

كتاب (بغية الإنسان في وظائف رمضان) هو جزء مأخوذ من كتاب (لطائف المعارف فيما للمواسم من وظائف)، والذي يتناول فيه ابن رجب الحنبلي العبادات وفضلها في شهر رمضان الكريم، وأحكام الصوم وفضله مع ذكر فوائده، كما أنه ذكر فضل الجود والكرم في شهر رمضان وفضل قراءة القرآن في هذا الشهر، وعرض لنا فضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وكيف نحسن ممارسة العبادات في نهاية الشهر الكريم، ثم كيف لنا أن نحسن ختامه ونفوز بفضله وأجره العظيم.

 

معرفة السنين والحساب على تقدير القمر

علق الله - سبحانه وتعالى - معرفة السنين والحساب على تقدير القمر منازل، وقيل: بل جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وجعل حساب السنة والشهر يعرف بالقمر، وحساب اليوم والأسبوع يعرف بالشمس، وبمعرفة ذلك يتم الحساب.

وفي قوله تعالى: ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ [يونس: 5]؛ لما كان الشهر الهلالي لا يحتاج إلى عد لتوفيته بما بين الهلالين لم يقل لتعلموا عدد الشهور؛ فإن الشهر لا يحتاج إلى عده إلا إذا غم آخره فيكمل عدده بالاتفاق إلا في شهر شعبان إذا غم آخره بالنسبة إلى صوم رمضان خاصة؛ فإن فيه اختلافا مشهورا. وأما السنة فلا بد من عدها؛ إذ ليس لها حد ظاهر في السماء، فيحتاج إلى عدها بالشهور، ولا سيما مع تطاول السنين وتعددها، وقد جعل الله السنة اثني عشر شهرا كما قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله﴾ [التوبة: 36]، وذلك بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها .السنة الشمسية، فإذا دار القمر فيها كلها كملت دورته السنوية، وإنما جعل الله الاعتبار بدور القمر؛ لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو أمر ظاهر يشاهد بالبصر بخلاف سير الشمس؛ فإنه تحتاج معرفته إلى حساب وكتاب.

 

الأهلة مواقيت للحج

وقد علق الله تعالى على الشمس أحكام اليوم من الصلاة والصيام حيث كان ذلك أيضا مشاهدا بالبصر لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، فالصلاة تتعلق بطلوع الفجر وطلوع الشمس وزوالها وغروبها ومصير ظل الشيء مثله وغروب الشفق. والصيام يتوقت بمدة النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وفي قوله تعالى: (والحساب) يعني بالحساب حساب ما يحتاج إليه الناس من مصالح دينهم ودنياهم؛ كصيامهم وفطرهم وحجهم وزكاتهم ونذورهم وكفاراتهم وعدد نسائهم، ومدد إيلائهم ومدد إيجاراتهم، وحلول آجال ديونهم وغير ذلك مما يتوقت بالشهور والسنين.

كما أخبرنا الله - عز وجل - أن الأهلة هي مواقيت للناس عموما وخص الحج من بين ما يوقت به للاهتمام به، وجعل الله -سبحانه وتعالى - في كل يوم وليلة لعباده المؤمنين وظائف موظفة عليهم من وظائف طاعته، فمنها ما هو فرض كالصلوات الخمس، ومنها ما يندبون إليه من غير افتراض كنوافل الصلاة والذكر وغير ذلك. وجعل في شهور الأهلة وظائف موظفة أيضا على عباده كالصيام والزكاة والحج، ومنها فرض مفروض عليهم كصيام رمضان وحجة الإسلام. ومنها ما هو مندوب كصيام شعبان وشوال والأشهر الحرم، وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته يتقرب بها إليه، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات. وفي رواية للطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعا: إن لله في أيام الدهر نفحات، فتعرضوا لها فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا. فكم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله - عز وجل - للعابدين غدا ما يرى، فاغتنموا مر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله.

 


بُغْيةالإِنسانِ في وظائف رمضان
بُغْيةالإِنسانِ في وظائف رمضان
أبي الفرج عبدالرحمن بن رجب الحنبلي
skip_next forward_10 play_circle replay_10 skip_previous
volume_up
0:00
0:00